مَن يطالع معطيات المشهد الثقافي واللغوي العربي يلحظ المقدار الهائل من صور التنافر والتناقض التي تكشف عنها تلك المعطيات، وربما على نحوٍ لا سابق له أو نظير . فإلى فسيفساء لغوية يزداد نسيجها تنوعاً وتبايناً مع الزمن وتتقطع بها أوصال الوحدة اللسانية الموروثة، تنمو سياساتٌ ثقافيةٌ عربية متضاربة الأهداف والوجهات ومتجافية المنطلقات والأدوات ومتنوعة المرجعيات والولاءات! مشهد مقرف مخيف لا يسر الناظرين ولا يطمئن على المصير قلقين، وخاصة إن كان هؤلاء في جملة من تشغلهم فكرة الوحدة الثقافية واللغوية وتأخذ منهم ومن الاهتمام حيزاً ومساحة .
في مشهد اللغة اليوم لاعبون ثلاثة: اللسان العالم الفصيح، واللسان العامي الدارج، واللسان الأجنبي الوافد كرهاً وطوعاً . ليس المشهد هذا جديداً تماماً، فقد “ألفناه” منذ القرن التاسع عشر، لكن جدته في حدته، أعني: في درجة الاستقطاب الحاد الذي ينطوي عليه اليوم، فيضعنا لا أمام ثلاث مجموعات اجتماعية لغوية فحسب، بل أمام “ثلاثة شعوب” تحت مسمى وطني وقومي واحد .
لا نملك أن نقول إن اللسان العربي الفصيح (اللغة العالمة) يضمحل أو يتراجع في المجال التداولي، فقد اتسع نطاق من يستعمله باتساع نطاق المتعلمين في المدارس والجامعات، لكنه يتدهور في سلّم المراتبية اللغوية - كما في الفضاء التداولي - أمام اللغات الأجنبية واللسان العاميّ . إذ بعد ما يزيد عن قرن من ميلاد المدرسة الحديثة وانتشار التعليم في أوساط الشعب، مازال اللسان الفصيح نخبوياً ومازال استعماله محدوداً في نطاق النخب لا يكاد يبارح حدودها . بل إن استعماله في أوساط هذه النخب يكاد يضيق في الندوات والمناظرات والدروس المدرسية والمحاضرات الجامعية حين يستعاض عنه - في الكثير من أحوال الحديث والشرح - باللهجات العاميّة، حتى إن خريجي المدارس والجامعات ما عادوا يملكون، بكل أسف، ناصية الكلام الفصيح، وحين يجري - اليوم - حديث بين شاب عربيّ من قطرٍ ما وآخر من قطرٍ ثان، لا يجري بالمشترك اللغوي بينهما (اللغة الفصحى)، وإنما بالعامّيات على عُسرِ ما بينهما من تواصل، لأن اتصال الأجيال الجديدة بذلك المشترك اللغوي ضعيف إلى أبعد حدّ، وإلى ذلك فإن هذه اللغة الفصحى العالِمة تكاد تنسحب من مجال التداول الإداري والدولتيّ أمام طغيانٍ مخيف للغات الأجنبية في معاملات الدولة والإدارة، وحالة المغرف العربي مثالٌ صارخ ومُقلق .
ومثلما كان الرهان - قبل نصف قرن - على أن تنشئ المدرسة الوطنية أجيالاً جديدة من المتعلمين الناطقين بالفصحى، وعلى أن يكون ذلك سبباً لتجسر الفجوة بين اللسانين العاميّ والعالِم، على نحو ما جَسَرته أوروبا، كان الرهانُ عينُه على أن يصبح انتشار العربية الفصيحة مناسبة لتجسر الفجوة بين اللهجات العامية العربية في أفق تواصل أوسع يذهب إلى حدّ الاندماج اللغوي . لكن المدرسة لم تنج في توليد ديناميات الاندماج، فضلاً عن أنه وُجد هناك دائماً مَن كان جاهزاً لزخم العاميات بقوة دفع تحت عنوان تثبيت الوطنيات وتثبيت تَمايُزها . وها نحن اليوم نشهد صوراً بائسة من الرعاية - الرسمية والخاصة - للعاميات من طريق تغذيتها الإعلامية . حتى إن بؤس تلك الرعاية بلغ حدّاً كاريكاتورياً محزناً: بث البرامج ونشرات الأخبار بالعامية! وهكذا بدل أن يتراجع سلطان اللغة العامية (وهي بالمناسبة لغة “الفكر” العاميّ)، باتت فرص نفوذه أوفر ومعها حظوظ الاندماج الثقافي العربي أعسر .
وثالثة الأثافي في النكبة اللغوية معدلات النفوذ اللغوي الأجنبي . بعض ذلك النفوذ الخطير نَجَم من الهجرة الكثيفة للعمالة الأجنبية إلى البلاد العربية على مثال الهجرة الكثيفة للعمالة الآسيوية إلى بلدان الخليج العربي، وبعضه الآخر أتى محمولاً على سياسات عربية رسمية أوسَعَت الأبواب أمام سلطان اللغات الأجنبية (الإنجليزية، الفرنسية) في كل شيء: في الدولة والإدارة والتعليم ومرافق الاقتصاد . وهاهي سلطةُ اللّسان الأجنبيّ اليوم تطيح بمركز اللغة العربية في الدولة والتعليم والإنتاج، والمتعلّمون به يكادون يستحوذون على المراكز والمناصب كافة وتنفتح أمامهم فرص العمل والاستثمار على حساب الغالبية الساحقة من أقرانهم . أمّا النصّ الدستوري على أن اللغة العربية (هي) اللغة الوطنية الرسمية في البلدان العربية كافة، فأصبح يعني عند العروبيين ما بات يعنيه النص على أن الإسلام دينُ الدولة أو مصدرُ التشريع عند الإسلاميين: أي حبراً جَف على ورق وما أصابهُ من التنزيل على الواقع نصيب . ولن يَمُر زمن طويل قبل أن نبدأ في تبين حجم ما أصابنا من كوارث هذا الاختلال اللغوي: من طفلٍ في الخليج يكونُ جملة مهجنة من مزيج لغويّ عربي - إنجليزي - هندي، إلى وزير عربيّ يتحدث بالعاميّة، وحين تُعجِزُه يستكمل حديثه بالفرنسية أو الإنجليزية .
إذا أضفنا إلى هذا المشهد اللغويّ الفسيفسائي، بل المتذرر والمتشظّي، مشهداً ثقافياً عربياً رسميّاً لا يقلّ عنه تنافراً وانقسامية، اكتملت الأسباب الموجبة للخوف على المستقبل . في كلّ بلدٍ عربيّ سياسة ثقافية انعزالية تخططها الدولة وقوى تسير في ركابها . تبدأ بالحديث عن الوطنية: ولا مانع (لأنها مشروعة)، لكنها تأخذُ الوطنية إلى حتفها حين تُغلِقُها على نفسها فتتحوّل قيمتها إلى قيمٍ نهائية، أو تَضَعُها في مقابل المشتَرَك العربي .
من يبتغي أن يختبر فرضية “التجانُس الثقافي” العربيّ ويقيس معدل الوجاهة أو المبالغة فيها، فما عليه اليوم إلا أن يطالع كتب التاريخ المدرسية المقررة لتلاميذ الابتدائي والثانوي في البلدان العربية ليعرف كيف تجري التنشئة وعلى أية هويّة تجري، وإن تعذّر عليه ذلك، يكفيه أن يختبر المسألة في أداء القنوات التلفزيونية العربية ونوع الخطاب الذي توجّهه إلى جمهورها المحلي.