إذن، لم يكن ذاك المشهد الذي صدمني نفسياً قبل أيام في أحد شوارع مدينتي المكتظة بالحب، مدينة العين، -أقول-: لم يكن مشهداً غريباً كما تبادر أو تهيأ لي، بخاصة بعدما حدثت كارثة مقتل الطفل البريء علي في دبي قبل أيام، فالذي رأيته أمامي يبدو أنه بعد سنوات سيغدو طبيعياً جداً في شوارعنا مالم تسن قوانين رادعة للمستهترين، والصبية الفارّين من منازلهم في سيارات متهالكة، أو مترفة لا أعلم من أين جاءوا بها، وهم بعد مازالوا في سن مبكر على قيادة السيارات .
القصة التي أدهشتني، وبها بدأت المقال، أنني تفاجأت قبل أيام بتجمع بشري في أحد الشوارع الرئيسة في المدينة . ولأن التجمهر كان كثيفاً ظننت للوهلة الأولى أنه حادث مروري . أخذني الفضول إلى حيث الحادث، وإذا بها معركة حامية الوطيس بطلاها شابان مواطنان عمراهما بين 15 و16 عاما إن لم يكن أقل من ذلك، وشخص آخر آسيوي اعترضه الشابان في الشارع نتيجة انحرافه المفاجئ وهو يقود سيارته وهما خلفه، فما كان منهما إلا أن أنزلاه من سيارته ودارت بينهم معركة انتهت بفرار الصبيين قبل أن أكمل إدارة أرقام هاتفي لإبلاغ الشرطة .
طبعا فرار الشابين لم يكن طبيعياً فقد قفزا بسيارتهما ذات الدفع الرباعي القديمة والتي لاتحمل أرقاما خلفية الأرصفة التي أمامهما، وخرجا في الطريق المخالف للسير وسط صراخ الرجل الذي حاول بعض المتجمهرين تهدئته، لكني سمعته يهدد بالذهاب إلى الشرطة لتقديم بلاغ ضد مجهول لأن السيارة كانت بلا أرقام، والوقت ليلاً وربما لم يتمكن من معرفة ملامح المراهِقين الصغيرين .
تلك المشكلة التي صادفتها لا تختلف كثيراً عن كارثة مقتل الطفل علي على أيدي عدد من الشباب، ولن أقول المراهقين، لأن من يقود سيارة، ويخطط لجريمة، لايعد مراهقا بل هو مجرم محترف يستطيع اختراق كل شيء من أجل تحقيق مأربه اللاأخلاقي، والخارج عن السمات الرئيسة التي نحملها كبشر نتميز بميزة لاتتوفر في كثيرين منا وهي الرحمة، واحترام الكبير، والرفق بالصغير .
أعتقد أن ثمة خللاً في مسألة تنشئة الأبناء يسفر عنه ما نراه ونستمع إليه ونتابعه من قضايا “أبطالها” شباب من أبناء الوطن الآمن الذي ما اعتاد على أن يكون من بين أبنائه من لايحمل الرحمة في قلبه، ومن لايحترم وطنه، ومن لايؤمن بحق الإنسان في العيش الكريم الحر بعيداً عن الأذى والعنف الذي لايفضي إلاّ إلى عنف آخر . لذا يجب على الأسرة الإماراتية أن تعيد حساباتها في مسأله تربية وتنشئة الأبناء وتعليمهم داخل المنزل، وبالتالي التخلي عن الاتكال على الخدم في الاعتناء بهم منذ الصغر، لأن النتائج التي تتجلى لنا اليوم كارثية، وحتمية الخطورة، ففي ظل غياب الرقابة الأسرية يمكن أن نتوقع الكثير الذي يمكن حدوثه من شباب تتم تنشئتهم بعيداً عن الأسرة، ومن ثم الدين، والروابط الأسرية الحميمة التي تبث في نفوس النشء الأمان، وتحميهم من تقلبات الزمن، والتطور، والعولمة التي تؤثر بشكل مباشر في تكوينهم، واهتماماتهم، ومن ثم تحدد مساراتهم، وتوجهاتهم في الحياة بشكل عام .
أما المناهج فلنا حولها حديث آخر، رحم الله علي وأسكنه فسيح جناته، وألهم أسرته الكريمة الصبر والسلوان .
qasaed@gmail .com