مجلة الصائم
حدائق الروح
المؤمن بين الشدة والرخاء آخر تحديث:الخميس ,02/09/2010
ماهر سقا أميني

قال الشيخ: أخرج أبو داوود في مراسيله عن شريك عن عطاء بن ياسر أن رجلاً من نجد أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يارسول الله أجدبنا وهلكنا إن لم يدركنا الله منه برحمة، فادع الله يغيثنا، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرجع الرجل وقد مطروا، فأحيوا عامهم ذلك، ثم رجع من عام قابل، فقال يارسول الله دعوت لنا فأحيينا العام الأول، فادع الله لنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أغيث كغيث الكفار؟ لا أرجع .


فانظر ما أعظم ما تحويه هذه اللفظة من الأسرار، لما علم صلى الله عليه وسلم أن نزول الأمطار عند الله بمقدار، وأن ذلك لم تجر بنزوله الأقدار، فأدرج له العلوم في موعظة زاجرة، وألصق استمرار الرخاء والسعة بالأمة الكافرة، وأن المؤمن يتقلب بين شدة ورخاء، وفي قلبه بين خوف ورجاء، ومن دام عليه في الدنيا نعيمه، فليتحقق أن ذلك النعيم عذابه وجحيمه، فليفرح المقل بفاقته، وليستعمل نفسه في الشكر جهد طاقته، أما الغني إذا تنغص فيؤجر على تنغصه، ويحرضه على التروح بتبديد المال في ذات الله وتنقصه، فيالها من كلمة واحدة، عمت القبضتين، وانسحبت على الطائفتين، فقد أوتي جوامع الكلم، وفصل الخطاب والحكم، (وأنزلنا من السماء ماء بقدر)، (وما ننزله إلا بقدر معلوم)، (ولكن ينزل بقدر ما يشاء) (روح القدس 67) .


فالشيخ يذكرنا أن كل شيء قد خلق بقدر، فليطمع الطامعون وليتنافس المتنافسون وليتصارع المتصارعون، (أنا كل شيء خلقناه بقدر) . وأمام الأقدار لا يحسن إلا الرضى والشكر، وإلا فما نفع الصراخ والعويل وضرب الرؤوس في الجدران وبالخيزران، مادام أمر الله نافذاً وهو القادر على كل شيء سبحانه وتعالى؟ إن المؤمن الحقيقي يعلم أنه يملك اللحظة الحاضرة فيسعى فيها متوكلاً على الله تعالى عالماً أن كل شيء بإذنه، فإن مرت وجاءت التالية علم أن ما ظهر فيها من أمر الله وبقدر الله وأن ذلك كان في علم الله وبمشيئة الله، فهل يملك مقابل هذا إلا الرضى والتسليم، والشكر والاحتساب عند رب كريم؟ أما استمرار الرخاء فقد يخاف أن يكون استدراجا إلى المعصية والطغيان، والكفر والحرمان، من هنا كان العطاء والمنع ليكون الرجاء والخوف، أما استمرار القوة والرخاء فقد يكون مما يكثر مع الفساق والكفار، فهذه دنياهم ولا آخرة لهم، وهذه جنتهم ولا جنة أخرى لهم، أما من أعطي ثم منع، ومد ثم حرم، فليصبر وليفرح بأجر صبره واحتسابه، وليقابل أخذ الله بالعطاء والنقص بالكرم والقلة بالصدقة، فتلك هي أخلاق من فهموا عن الله، وعلموا أن ما عند الله باق، وما في هذه الدنيا فان، وأن الله يجبر كسر الكسير، ويعطي المقل والفقير، من خزائنه التي لا تنفد، وعطاءاته التي لا تنقطع، إن هو رضي وصبر، وأعطى واحتسب، ولم يخش من ذي العرش اقلالاً .


قال الشيخ: فلما سمعت نفسي هذه الشذور، تيقنت أنها في تباب، وأن عليين إنما هي لأولي الألباب، وألقت يد السمع والطاعة، على ملازمة السنة والجماعة، وأيقنت باقتراب الساعة ونفاذ أيامها، لظهور شرائطها وأعلامها، بقول من كرم هذه الأمة “إن من أشراط الساعة أن يلعن آخر هذه الأمة أولها” (روح القدس 67) .


وإنها والله لمصيبة ما بعدها مصيبة، أن يعلو صوت لاعني أوائل هذه الأمة من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يكثر الشتم والسب، لمن حازوا سبق الصحبة والقرب، وما من متصد لهؤلاء الجهلة، ممن غرقوا في العمى والغفلة، يصدهم عما هم فيه من ظلم، ويردهم إلى جادة الصواب والعلم، وإلا فليس لهم إلا السيف والغرم .


ولعن أول هذه الأمة مما أخبر به المعصوم صلى الله عليه وسلم، ورأيناه في هذه الأيام مصدقاً لنبوءته، وهو لا يصدر إلا عن متنكر للفضائل وأهلها، غارق في الرذائل ووحلها، إذ كيف ينكر فضل أولئك الرجال، ممن حازوا السبق في أكرم الخصال، وهم قد نقلوا لنا الدين وأصوله، واؤتمنوا على القرآن العظيم وفهم نصوصه؟ ألا يعني الخوض في ذممهم تقويض الدين وزرع الشك في كل نقل أمين؟ فاتقوا الله أيها الناس في صحابة رسول الله، فوالله لا نقدر على بلوغ ذيول مواكبهم، وهم خير هذه الأمة وقد ولوا، ولن يتكرر مثلهم مهما جد الناس وعملوا .

طباعــــة

إرســال

أضـف تعليــق

أخبار متعلقـــة

  
 

أضــف تعليـــق

عنوان التعليق
الاسم
البريد
تعليق
 

  تعليـــق

 بقية المواضيع

 
 

  النشرة الدوريــة

   دليــل المدينة

  حالة الطقس

  مؤسسة تريم عمران للأعمال الثقافية والإنسانية

البريد
 

جائزة تريم عمران للصحافة

•مركز تريم عمران للتدريب والتطوير الإعلامي

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر © 2008