أجادت فضة خليل البشتاوي أخيراً كتابة اسمها بعد اقترابها من عامها التسعين، محققة أحد احلامها القديمة حيث تدرس حاليا في الصف الثاني الابتدائي ضمن مركز “محو الأمية” في جمعية وقاص وسط بلدة نائية تحمل العنوان ذاته في لواء الغور الشمالي التابع لمحافظة إربد، وفي رحلة يومية مشياً على قدميها تقطع أكبر طالبة أردنية مسافة كيلومتر واحد ذهاباً وإياباً متكئة على عكازها وبانحناءة ظهرها يحدوها طموح اكتساب مزيد من العلم والمعرفة ودوافع عديدة سردتها ل”الخليج” التي زارتها في مقر تعليمها داخل الفصل وكان الحوار التالي:
ماذا تقولين عن المرحلة التي سبقت التحاقك بمركز محو الأمية؟
وُلدت في فلسطين مطلع عشرينات القرن الماضي وعشت في “ظلام الجهل” ولم أعرف قراءة حرف واحد بعدما حرمتني أسرتي من التعليم مثل العديد من بنات جيلي، خصوصا أننا نشأنا في منطقة شعبية في الضفة الغربية قبل نزوحنا إلى الأردن، ولأنني “البكر” اضطررت إلى مساعدة والدي ووالدتي في حرث الأرض والزراعة منذ كنت طفلة ومارست المهام ذاتها مع زوجي أيضاً ثم قدت المسؤولية كاملة بعد وفاته وتوليت تربية أبنائي وبناتي .
لماذا قررت التعلم أخيراً؟
دائماً كنت أتمنى الذهاب إلى المدرسة وأراقب الطلاب في الحافلات وأتحسّر على نفسي وطلبت من الجميع حولي تعليمي على الأقل كتابة اسمي كاملاً بصورة صحيحة وتحفيظي آيات قرآنية غير تلك المعدودة التي أرددها دائما في كل صلاة، لكن “مشاغل” الحياة والالتزامات الكثيرة أجلت الخطوة كثيراً ولم أعرف كيف أبدأ الطريق .
وكيف بدأت الطريق؟
سمعت أكثر من مرة عن فتح مديرية التعليم مركزاً خاصاً للكبار في البلدة، وأخبرتني جارتي المعلمة يسرى الظهيرات أنها ستتولى التدريس داخل فصوله فتشجعت، وسجّلت العام الماضي ونجحت في الصف الأول الأساسي وحصلت على جائزة عبارة عن دفاتر ومقلمة مجهزة بالأدوات وأواصل حالياً تعليمي في الصف الثاني الابتدائي مع مجموعة من السيدات .
ما تفاصيل يومك الدراسي؟
أبدأ بإعداد اغراضي في حقيبة صغيرة من القماش توليت بنفسي حياكتها، وبعد أداء صلاة الظهر أتوجه مشياً على القدمين إلى المركز متكئة على عصا ترافقني في جميع مشاويري وأنضم هناك إلى زميلاتي داخل الفصل وندرس مجموعة حصص حتى الساعة الرابعة عصراً حيث أعود إلى المنزل بالطريقة نفسها .
ألا تجدين مشقة في قطع المسافة مشياً على قدميك؟
أحيانا أتعب، وأستريح خلال الطريق بالجلوس على الرصيف أو عند إحدى الجارات، وأنا أقطع مسافة 500 متر ذهاباً ومثلها عودة، ولكن نحن جيل صلب ومن يريد نور العلم عليه أن يتجاوز كل العقبات وأنا لم أغب عن المركز حتى خلال سقوط الأمطار أو ارتفاع درجة الحرارة .
وأين أولادك وأحفادك؟
أكبر أولادي “يوسف” يعيش معي في البيت ويعاني مشاكل صحية، أما الثاني فيقيم في الخارج والثالث موظف متقاعد يسكن بعيداً، وبناتي الخمس متزوجات ولديهن همومهن العائلية وأما أحفادي وعددهم يتجاوز العشرين فلديهم أعمالهم وجامعاتهم ومدارسهم وهم يزورونني أحياناً .
كيف تصفين الأجواء داخل الفصل؟
أشعر بمتعة وفائدة داخل الفصل، وأتنافس مع الزميلات على حل الأسئلة وبعد رجوعي إلى المنزل أذاكر ما درسته بحضور معلمتي وأذهب إلى بيتها إذا تأخرت ورغم التزاماتها الأسرية لا تقصر معي أبداً .
وماذا عن جدول الحصص؟
ندرس أربع مواد رئيسية حسب الأيام تبدأ غالباً باللغة العربية، وهناك التربية الإسلامية والرياضيات والثقافة العامة .
هل تفضّلين مادة معينة؟
أحب تهجئة الحروف والكتابة على السبورة وتسميع الآيات القرآنية التي أحفظها عن طريق الإعادة خلف المعلمة .
ما إحساسك خلال كتابتك على السبورة؟
أمضي أجمل وقت أمام السبورة وأحس بأنني طفلة تمكنت من استعادة حقها في التعليم وأتذكر عندما كنت أراقب الطالبات في طريقهن إلى المدرسة .
ما حافزك الأساسي في تجربتك؟
نظرات الإعجاب من سكان البلدة الذين كان بعضهم يسخر من حملي الكتب وصاروا اليوم يشجعون الأمهات والزوجات على الاقتداء بي، وحتى الأرامل والمطلقات يحضرن إلى المنزل للسؤال عما استفدته وطريقة التسجيل .
وما الفرق الذي لمسته حتى الآن؟
حفظت جزء “عمّ” من القرآن الكريم وأستطيع كتابة اسمي والتفرق بين الحروف وجمع وطرح الأرقام عن طريق العمليات الحسابية وليس الطريقة “الآلية” التي كنت أتبعها في بيع وشراء المحاصيل الزراعية سابقاً .
ألم تشعري بإحراج في حمل الكتب وأنت على مشارف التسعين من عمرك؟
- لا أشعر بإحراج ولا أريد أن أظل “غبيّة” طالما توفرت لي فرصة للتعليم وكل امرأة تتهاون في الدراسة بإرادتها أو لاتستغل منحة أمامها مخطئة بحق نفسها .
هل واجهت بعض المواقف الإيجابية أو السلبية؟
جارتي “محاسن” كانت تصدر تعليقات ساخرة تنال مني كلما لمحتني أقطع المسافة وتقول لي: “ بعد ما شاب ودّوه الكتاب”، وعندما عرفت أنني جادة ولا أبالي بكلمات محبطة وشعرت بجدوى التعليم من خلال جلوسي معها صارت تسبقني أحياناً إلى المركز القريب من منزلها وتنتظرني على مدخل الشارع لنذهب معاً ونحن نجتمع داخل الفصل وتحدد المعلمة تقسيم الحصة حسب كل مرحلة .
وماذا عن آراء سكان بلدتك عموما والسيدات خصوصاً؟
الجميع يفخر بي وأحياناً أتلقى تعليقات منها “عقبال الجامعة” و”بالتوفيق يا حاجة” و”يارب تطلعي الأولى”، ويبادر بعضهم إلى مساعدتي خلال المشوار أما السيدات فتزايد عدد المقبلات على التسجيل في المركز .
ما الصعوبات أمامك؟
أعاني الضغط والسكري وفقدت البصر في عيني اليسرى ويلازمني ضعف النظر في اليمنى وتتملكني رجفة في يدي عندما أحاول رسم الدوائر والاشكال الهندسة، لكن هذا لن يعيقني عن مواصلة طموحي .
هل تنسين بعض المعلومات التي حفظتها؟
أحياناً أنساها بحكم السن وأغضب كثيراً وأطلب من المعلمة أن تعيد مراجعتها معي .
ماذا تقولين عن “العلم في الكبر كالنقش على الرمل”؟
أكره تلك الكلمات وأنا استعيض عنها بمقولة “العلم في الصغر والكبر كالنقش على الحجر” .
ما المطلوب في رأيك نحو تشجيع أخريات على انتهاج خطوتك؟
كانت هناك إعانات تشجعية للكبار عبارة عن مواد تموينية وغذائية، ويجب تقديم جوائز للمتفوقات وتخصيص محاضرات لتوضيح مساوئ عدم دراسة المرأة خصوصاً بعدما تصبح مسنّة ووحيدة وتعتمد على نفسها فقط في تسيير أمورها .
هل تمطحين إلى الحصول على شهادة السادس الابتدائي؟
أطمح إلى الوصول إلى المرحلة الثانوية إذا مدّ الله في عمري، وقدوتي زوجة أخي التي درست في مركز محو الأمية حتى الصف التاسع أما أنا فأتمنى عدم التوقف حتى نهاية حياتي .
وفي حديث مع معلمتها يسرى الظهيرات أكدت مثابرة “أم يوسف” على التعليم وقالت: تملك شغفاً كبيراً في طرح الأسئلة ومحاولة فهم كل التفاصيل ولا تتكاسل مطلقا في الحضور يوميا إلى المركز والالتزام بالحصص، وأضافت: ألاحظ غيرة إيجابية تطغى على “الحاجة فضة” حيث تبادر إلى التقدم فوراً عندما تشعر باهتمامي بطالبة أخرى وتحاول اظهار سرعة فهمها المعلومة وتطلب مني الكتابة على السبورة رغم حركتها الثقيلة والبطيئة وحاجتها للجلوس على المقعد .
وأشارت الظهيرات إلى تحفيز “أكبر طالبة ابتدائية” سواها في التسجيل ضمن المركز وأردفت: وجدنا صعوبات عائلية في اقناع بعض السيدات وازواجهن أو أولادهن بضرورة التعليم، ولكن التجربة العملية دفعت أخريات للحضور مباشرة واليوم لدينا 12 دارسة أصغرهن عمرها 45 عاماً في مختلف المراحل الابتدائية .
وحول آلية تقسيم الفصول والمواد المدرجة قالت الظهيرات: نحن في منطقة نائية نوعاً ما ويصعب فتح العديد من الفصول وسط العدد القليل للطالبات، ولذلك نجمعهن في قاعة واحدة وفق جدول يومي نحدد خلاله احتياجات كل مرحلة وأبرز المواد اللغة العربية والتربية الإسلامية والرياضيات والثقافة العامة المتعلقة بإدراك المواقع التراثية وبعض الجوانب الجغرافية والتاريخية، ورأت وجوب طرح حوافز إضافية للمنتسبات والإعفاء من رسوم التسجيل واستعادة الإعانات التموينية لاسيما في المناطق البعيدة وتوفير تجهيزات كاملة للمراكز، لافتة إلى اقتطاعها وبعض المعلمين من راتبهم لتسديد مبلغ إيجار الفصول حالياً .
وأثنت الستينية محاسن أحمد على جارتها “فضة” وعقبت: كنت أسخر منها في البداية ولم اتوقع يوما ان أجلس إلى جانبها في الفصل وبدأت من باب الفضول عندما سمعت بأمور إيجابية للتعليم وقررت عدم التراجع عن الدراسة واتطلع حالياً إلى كتابة اسمي كاملاً وقراءة اتجاهات الحافلات والمواقع .