مجلة الصائم
تراثنا هو هويتنا وتاريخنا
وجوه من الإمارات ... الشاعرة والأديبة شيخة الجابري: آخر تحديث:السبت ,04/09/2010
حوار: هاني عوكل

1/2



لديها زخم ثقافي وفكري استمدته من تشجيع والدها ومن العلم الذي شبت عليه . تحب طفولتها وتحن إلى الماضي، وترى في المكان روح الكاتب . هي “بنت البلد” أباً عن جد، شديدة البساطة، قوية الذكاء، تحمل إرث وتراث الإمارات، وكثيراً ما تحلم بتضمين تراث بلادها في مناهج التعليم بمختلف مستوياتها . تحب العمل، وتصف أمها بأنها الصديقة الأغلى . لا تتفاخر بالمنجزات التي حققتها، مع أن منزلها يعج بشهادات التقدير والتكريم .
في هذا الحوار، نتعرف عن قرب إلى الشاعرة والأديبة شيخة الجابري:

منْ يتعامل مع الآخرين بفوقية وتعالٍ يسقط مبكراً


أبكاني كثيراً إغلاق “مركز التراث الشعبي لدول الخليج العربية”


كيف كانت طفولة شيخة الجابري؟


 كانت طفولة مميزة ورائعة، منذ الصغر، وارتباطي بالعلم لا ينتهي ولله الحمد، تعلمت أن أكون كبيرة وواعية ومسؤولة وأنا مازلت بعد أمضي في أدراج الطفولة نحو سن الشباب . تعلمت القرآن الكريم وحفظته، تعلقت روحي بالراديو والكتاب مذ كنتُ أحبو نحو الأول ابتدائي . كان لأبي رحمة الله عليه الأثر الكبير في نشأتي وتعليمي وتشجيعي، وكان لأمي حفظها الله دور الرعاية والحنوّ والمتابعة والحرص على التميز . لستُ أنا وحدي من حظيت بهذه المزايا الطيبة في التربية ولكن كلنا أشقاء وشقيقات أصبحنا مضرب المثل في التميز فضلاً من الله تع إلى . كان منزلنا ومازال بفضل من الله تع إلى يعج بالزائرين والضيوف من شتى الأطياف، تعلّمنا كيف نحترم الضيف ونوقره، ورغم وجود حاشية كبيرة -خدم- كانت تعمل في منزلنا، إلا أن أمي حرصت على تعويدنا أعمال المنزل، إلى جانب الحرص على تحصيلنا الدراسي . ومنذ أن كنتُ طفلة لم أغادر المركز الأول في مدرستي، إلى أن تداخلت أمور كثيرة جعلت الحياة أكثر صعوبة، وخلقت منا مكافحين يعملون بحب وتفان واحترام للجميع .


أسرة ممتدة


كيف كانت حياتك الأسرية؟ وهل عشت ضمن عائلة ممتدة أم نووية؟


 معروف في المجتمعات الخليجية أن الشكل الرئيس للأسرة منذ سنوات خلت كان يقوم على نظام الأسرة الممتدة، تلك التي تجمع تحت مظلتها الأب والأم والأبناء والأحفاد، لذا كانت أسرتنا ومازالت تحرص على هذا الامتداد الطبيعي في العلاقة بين أفرادها وإن بعُدت المسافات قليلاً، ولظروف زواج البعض وانفصالهم إلا أن الامتداد العاطفي الطبيعي لا يزال راسخاً، وينمو بمرور الوقت . أنا أعتقد أن العلاقات الاجتماعية والجيرة تسهمان بشكل كبير في تربية الأبناء إلى جانب الوالدين . مثلاً في بيتنا كان الرجال يجتمعون عند الوالد غفر الله له، والنسوة عند أمي في جلسة تمتد من بعد صلاة العشاء حتى دنو الليل من انتصافه، وكانت لنا نحن البنات جلستنا المختلفة التي تجمعنا بصديقاتنا . كنا نتحدث في أمور كثيرة، بسيطة، عفوية، بريئة، وكانت “الخروفة” والحكايات الشعبية سلوانا الممتعة عند الاجتماع .


 دراستك ومشوارك التعليمي، صفي لنا هذه المحطة من حياتك؟


 دراستي بدأت بتعلم القرآن الكريم وأصول الدين على يد مطوعنا “مصبّح” ومعه تعلمنا بدايات الكتابة وبالأخص كتابة الرسائل وطرق التعبير من خلالها، ثم جاءت الدراسة النظامية ودخلت المرحلة الابتدائية في مدرسة أسماء بنت أبي بكر في مدينة العين، والإعدادية في مدرسة أم أيمن، والثانوية في ثانوية العين، وتخرجت في جامعة الإمارات تخصص الإعلام واللغة العربية . كنتُ من المتفوقات والمتميزات طوال مشواري الدراسي ولله الحمد، حصدت الكثير من الجوائز وأنا على مقاعد الدراسة . وكنتُ أعشق النشاط الصفي، وأحرص على ألا تفوتني أية فرصة للتدرب والتعلم وإثبات الذات، والتعاون، ونقل الخبرة إلى الآخرين . كنتُ ومازلت أقدّس العمل الجماعي، وأؤمن بأهمية الآخر وقدرته على الإبداع، وضرورة أن يُمنح الفرصة ليعبّر عن ذاته وطموحاته .


تغييرات سلبية


ما تقييمك للعادات والتقاليد بالأمس، مقارنةً بما هي عليه اليوم؟


 هناك تحولات كثيرة طرأت على المجتمع أثرت بشكل مباشر في عادات الناس وسلوكياتهم وتقاليدهم وأعرافهم، فلم يعد القديم محموداً أو محبوباً في ظل القرية الواحدة، وثورة التقنيات الحديثة . وحدهم كبار السن مازالوا محافظين على بعض البقايا من الماضي القريب، ونظراً للتنافر الثقافي وغياب الحوار داخل الأسرة سقط الكثير من العادات في أتون التطور، وصار الكبير غريباً بين الصغار إلا من رحم ربي . هناك تغييرات كبيرة حدثت في المجتمع تركت أثرها السلبي في كل شيء، والسبب المباشر في ذلك هو سلبية الإنسان أمام مواجهتها وانسياقه وراء كل جديد، الأمر الذي أثر سلباً في طرائق الحياة المختلفة .


 كيف تتعايشين مع البيئة الحالية، في ظل التطور التكنولوجي المُتسارع والاختلال في التركيبة السكانية؟


 لا علاقة للاختلال في التركيبة السكانية بحياتنا الشخصية إن صح التعبير . المشكلة ليست مشكلة فرد بحد ذاته، إنها مشكلة وطن كبير بأبنائه وعطائه، مشكلة مستقبل قادم لابد من الالتفات إليه ومراجعة الحسابات بشكل دقيق . البيئة الحالية رفضتني حين كنتُ أعمل بإخلاص وتفان وإتقان، لفظتني خارجها وأنا في قمة عطائي، وبعد خمسة عشر عاماً من العمل والنجاح، لم أعترض رغم مقدرتي على الاعتراض، لم أبحث عن وساطة رغم أن حولي الكثير من القلوب الخيّرة التي أحبها وتحبني، لكنني أربأ بهم عن مثل ذلك لأني أؤمن بخبراتي ومقدرتي على العطاء . فوّضتُ أمري إلى الله، وأصررت على النجاح، عملتُ في مؤسسات عدة خلال أربع سنوات من تركي لعملي الأول في ،2004 ونجحت بشهادة من أعمل معهم . مكتبي المنزلي، وبيتنا يعج بشهادات التقدير ودروع التكريم، وهدايا الاحتفاءات بتفوقي ولله الحمد . الوطن يحبنا ونحن نذوب عشقاً فيه .


 كيف تقضين يومك في رمضان؟


 اعتدت الحصول على إجازتي السنوية في هذا الشهر العظيم حيث أقضي وقتي بين المطبخ، والقراءة، والتعبد، والتأمل، والركون إلى الهدوء قليلاً، بعد صخب العمل، والحياة بصفة عامة .


سيدة المهام الصعبة


لديك تجربة غنية على الصعيد المهني، كيف توفقين بين عملك وبين حياتك الشخصية؟


 لا أتصور أن تمضي حياتي دون أن يمتزج الاثنان معاً . قالت لي إحدى الزميلات: نعرف عنك أنك سيدة المهام الصعبة: قلتُ لها: في فترة ما صدقاً كنتُ كذلك، لكن دورة الحياة والزمن، والاشتغال لم تترك لنا فرصة للتنفس، لذا آثرت التقليل من نشاطي لألتفت إلى قراءاتي ومنجزي الثقافي . كنتُ أعمل خلال الأربع والعشرين ساعة وأبحث عن وقت غيرها، أذكر أنني كنتُ أنهي عملي الرسمي في مواسم احتفالات جامعة الإمارات بخريجيها عند الثالثة صباحاً حيث كنت أنتظر إنجاز المطبوعات، تعبتُ كثيراً، وأحمد الله على ما تحقق .


باقي الوقت أقضيه في المنزل برفقة أمي، الصديقة الأغلى، التي أسأل الله تع إلى أن يمد في عمرها، ويمتعها بالصحة والسلامة، وبالطبع للصديقات القريبات من الروح جزء من الوقت والاهتمام .


 تجربتك الأدبية والتراثية، حدثينا عنها وعن إنتاجك من المؤلفات المتنوعة؟


 الحقيقة أن هذه التجربة بدأت مبكراً جداً، أول إصدار لي كان قصة شعبية “خروفة” صدرت وأنا مازلت بعد على مقاعد الدراسة الجامعية، أصدرتها مجلة ماجد، وكانت ذائعة الصيت ونالت انتشاراً واسعاً في الثمانينات، ثم توالت مشاركاتي في المؤتمرات والندوات بأوراق عمل . الاهتمام بالتراث جاء بمحض المصادفة، ومنذ أن التقيته لم أبرح مواطن الاهتمام به، عملتُ مع مركز التراث الشعبي لدول الخليج العربية إلى أن أغلق، ويوم أن تم شحن حصة دولة الإمارات من مكتبة المركز كنتُ هناك في الدوحة وبكيتُ كثيراً على مشروع ثقافي كبير أغلقت أبوابه، وأيضاً عملتُ باحثة متعاونة مع مركز زايد للتراث والتاريخ حين كان مقره في مدينة العين، ولي معه إنجازات كثيرة . ثم عملتُ رسمياً في وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، إلى أن استقلت في عام ،2006 والتحقت بالعمل في هيئة أبوظبي للثقافة والتراث باحثة أولى في إدارة التراث المعنوي .


إصداراتي تراوحت بين الشخصية والمشتركة، ومن المشتركة لدي إصدار هو “ديوان الشاعرة موزه بنت جمعة العميمي، ومعجم ألفاظ أهل الإمارات” .


ومن إصداراتي الخاصة كتاب عن زينة المرأة الإماراتية وأزيائها “فلسفة زينة الجسد” وقد صدر باللغتين العربية والانجليزية عن وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، وهناك ديوان شعري للشاعر عيد بن خليل المريخي، وكذلك أصدرت كتاباً للأطفال بعنوان “ألوّن تراثي”، صدر عن إدارة التراث المعنوي بهيئة أبوظبي للثقافة والتراث . ومن المتوقع أن تصدر خلال الأيام القادمة بإذن الله ثلاثة كتب هي “الدليل الشامل للجامع الميداني، وعادات الزواج في إمارة أبوظبي، وهو مؤلف مشترك، وكتاب “حكايا الليل، لهفة الانتظار”، وهناك تفكير في إصدار ديواني الأول الذي أعددت مخطوطه الأول للنشر .


 أين تجدين نفسك أكثر: في الشعر أم الكتابة أم في عالم التراث؟


 كلها على اتصال بالروح ولا يمكنني التعايش مع واحد دون الآخر، هي عالمي الذي أنتمي إليه، وفيه أجد ذاتي، ونفسي، وأسهم في خدمة وطني، وخصوصاً من خلال تقريب التراث لأبنائه، ذلك أن تراثنا هو هويتنا، وتاريخنا، وأصولنا التي ننتمي إليها، وعليها نحرص أمام مد التطور الحضاري الذي يجتاح كل شيء أصيل في دواخلنا .


 بالإضافة إلى كونك شاعرة وكاتبة، ما النشاطات الأخرى التي تقومين بها؟


 هناك نشاطات كثيرة قمت بها سابقاً كعضو في بعض جمعيات النفع العام، وحالياً أحضر أمسيات شعرية حينما توجه إليّ الدعوة من داخل الدولة أو من خارجها، وكانت آخر أمسياتي في مدينة الدمام السعودية في شهر يونيو الماضي، أضف إلى ذلك ألبّي بعض الدعوات الإعلامية للمقابلات، وأحضر النشاطات الثقافية التي أُدعى إليها داخل الدولة وأمارس شغفي بالعمل التطوعي كلما سنحت لي الفرصة .


 برأيك، ألا يؤثر النشاط المتنوع في الجانب التخصصي الإبداعي لشيخة الجابري؟


 هو يؤثر بلا شك، فقصيدتي مثلاً مظلومة وسط هذا الكم الهائل من الانشغال، لكنها تعشق التعب، ولا تأتي إلا في لحظة شغب محبب إليها .


 هل لديك نشاطات خارجية على الصعيد المهني، تتعدى حدود الدولة؟


 نعم فقد حضرت العديد من المؤتمرات والندوات ومثلت الدولة بفضل من الله تع إلى في محافل دولية كثيرة فعلى سبيل المثال، مثلتها في “جوهانسبرغ، مصر، الدنمارك، أستراليا، الكويت، قطر، سلطنة عمان، السعودية، البحرين”، وهناك بعض الدعوات التي لم أتمكن من تلبيتها، إذ دعيت إلى تمثيل الدولة في مؤتمر القيادات الدولية في أذربيجان، ولظروف سفر والدتي للعلاج آنذاك لم أتمكن من السفر .


مسؤولية مضاعفة


تم تكريمك من قبل أكثر من مؤسسة نتيجةً لجهدك الدؤوب على المستويات الثقافية والمعنية بالتراث، حدثينا عن هذه الجوائز والتكريمات وماذا تضيف لشيخة الجابري؟


 الحقيقة أن أي تكريم حصلت عليه يحمّلني مسؤولية مضاعفة تجاه الإخلاص والتفاني في خدمة وطني الحبيب، وحينما أُكرّم أشعر أن هذا التكريم لكل امرأة في وطني بذلت من الجهد ما استحقت عليه التقدير . لقد تم تكريمي في “يوم الراوي” في الشارقة، وكذلك كُرّمت في الكويت كإحدى الإعلاميات الرائدات، وفي المملكة العربية السعودية كُرمت هذا العام في مهرجان الجنادرية الثقافي، إلى جانب العديد من السيدات الخليجيات وذلك كإحدى رائدات الثقافة في الخليج، أضف إلى ذلك التكريم الذي حظيت به من قبل مؤسسات عديدة في الدولة، وهذا فضل من الله تعالى يستوجب الشكر الغزير .


 ما الحكمة التي تستندين إليها في مشوارك على الصعد كافة؟


 “واعمل فإنما أجرك على الله” . العمل مسؤولية تستلزم الوفاء، والتواضع، وحب الناس، والشفافية، ومن يتعامل مع الآخرين بفوقية وتعالٍ يسقط مبكراً . إن الله سبحانه وتع إلى أنعم علينا بكثير من النعم التي تستوجب الشكر، وأعظم ما حصدته في مشواري الطويل حب الناس في كل مكان ذهبت إليه، فالشكر لكل القلوب التي منحتني مساحة من حب، وشعوراً نبيلاً دفعني كثيراً إلى الأمام .


 هل تؤمنين بشراكة المرأة للرجل في المجتمع؟ وهل توافقين على إدماجها في سوق العمل؟


 بالتأكيد، ومن يفكر خارج هذا الإطار، يعيش خارج سياق الزمن والتاريخ .


 علاقتك بالمكان، كيف تصفينها؟ وماذا تمثل الإمارات بالنسبة لك؟


 المكان روح الكاتب، منه ينطلق إلى الآفاق الأرحب، وأجمل الأمكنة لدي ما حمل رائحة الماضي، وعنفوان الشباب، كمدينتي التي أعشق . . مدينة العين الخضراء . إن علاقتي بالمكان علاقة ربما تختلف عن الآخرين فالذي آلفه من مساحات أعود إليه عند الحاجة، ولا أعرف الجلوس إلا فيه، سواء كان مكاناً عاماً، أو زاوية في المنزل . مكتبي المنزلي جنّتي التي تحتويني، وتصبر على جنوني، واحتياجي الشديد للاختلاء بي فقط .


 رسالة مفتوحة، ماذا تقولين فيها؟


 أقول لوطني إن حبك مزروع بين جوانحي، وأتطلع إلى اليوم الذي تنتهي فيه مشكلة الهوية الوطنية والتركيبة السكانية، وأحلم بدخول التراث مادة رئيسة في مناهجنا الدراسية “الدنيا والعليا”، لأن ذلك سيخلق توازناً بين الماضي والحاضر، وسيعزز من الهوية الوطنية في نفوس الأبناء، وبالتالي سيسهم بشكل كبير في حل الكثير من المشكلات الاجتماعية المعقدة والمعلقة . كما أتمنى ألا تهمش الكفاءات المواطنة من الذين اصطلح على تسميتهم “بالجيل القديم” والذين قدموا من أجل الوطن الكثير الذي لا يحصى، وأن يتم استثمارهم لتعليم الجيل الجديد وتربيته، الذي هو في حاجة ماسة إلى يد مواطنة تحنو عليه، وتزرع فيه الحب والخير من أجل الوطن، وتأخذ بطموحه إلى التميز والريادة .

طباعــــة

إرســال

أضـف تعليــق

أخبار متعلقـــة

  
 

أضــف تعليـــق

عنوان التعليق
الاسم
البريد
تعليق
 

  تعليـــق

 بقية المواضيع

 
 

  النشرة الدوريــة

   دليــل المدينة

  حالة الطقس

  مؤسسة تريم عمران للأعمال الثقافية والإنسانية

البريد
 

جائزة تريم عمران للصحافة

•مركز تريم عمران للتدريب والتطوير الإعلامي

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر © 2008