عدة “زوابع” سياسية ميزت صحراء المشهد السياسي الموريتاني خلال الأسبوع الحالي، اللافت أن فيها “زوابع صامتة” قد يكون لها الدور الأهم في توجيه الأحداث خلال الشهور القادمة .
فقد استأنفت الحكومة اجتماعاتها الأسبوعية، وتميز أول اجتماع لمجلس الوزراء بعد انتهاء العطلة الحكومية السنوية ب”السخونة” الشديدة حيث جدد الرئيس محمد ولد عبدالعزيز خلال الاجتماع عزمه على محاربة كل أنواع الفساد المالية والإدارية والاجتماعية .
وقالت مصادر خاصة إن الرئيس ولد عبدالعزيز خاطب الوزراء بلهجة صارمة قائلاً “سأضرب بيد من حديد على كل أنواع الفساد والمفسدين” وأكد أنه سيعاقب “كل من ارتكب جرماً أو فساداً إدارياً أو مالياً أو أخلاقياً ولو كان منكم أنتم يا وزراء” .
جاءت هذه اللهجة الشديدة بعد أن بدأت المعارضة تعتبر أن ولد عبدالعزيز أخذ في نسيان خطابه أثناء الحملة الرئاسية الماضية الذي ركز فيه على محاربة الفساد . وبعد وقت وجيز من إعلان تفعيل “قانون الشفافية المالية” الذي يفرض على الرئيس وأعضاء الحكومة وكبار المسؤولين الإعلان عن ممتلكاتهم، وهو الطلب الملح الذي ظلت المعارضة تتمسك به .
ولم تمض ساعات على انتهاء اجتماع مجلس الوزراء حتى أصدر ولد عبدالعزيز قراره بإنهاء مهام وزير حقوق الإنسان محمد الأمين ولد الداده دون تعيين خلف له، وهو الإجراء الذي يعني في “أدبيات الرئاسة الموريتانية” الغضب الشديد على المسؤول المقال .
وجاء القرار المفاجئ بإقالة الرئيس السابق لتنظيم “ضمير ومقاومة” (اليسار الراديكالي)، والذي كان من أوائل الملتحقين بدعم “الانقلاب” وظل يشغل وظيفته منذ أول حكومات ولد عبدالعزيز، من منصبه كوزير وسط أنباء عن ضلوعه في الفساد والصرف غير المبرر لمليون دولار (260 مليون أوقية) فضلاً عن فشل القطاع الحساس في معالجة قضايا حقوق الإنسان ومحاربة الفقر .
كما يأتي هذا الحدث في ظل ما يتردد بقوة عن استياء الرئيس عزيز من أداء أغلبية أعضاء تشكيلة الحكومة الحالية ووسط توقعات بتعديل وزاري يلح الرأي العام كثيراً على إجرائه في حين لم يستبعده ولد عبدالعزيز في تصريحات نشرت في صحيفة فرنسية .
فهل تكون إقالة وزير حقوق الإنسان مقدمة لتعديل وزاري ب”القطارة” ووفق تقييم الرئيس لأداء كل وزير على حدة، أم هي بداية “إعصار” سيقتلع البيت الحكومي الحالي من أساساته ويأتي بحكومة جديدة كليا، وهل سيكون من ضمن تلك الحكومة “شراكات” سياسية مع أطياف أخرى في الساحة السياسية، إلى غير ذلك من أسئلة مثارة تشغل بقوة بال الرأي العام والنخبة السياسية في البلد .
مأدبة إفطار
في سابقة من نوعها، نظم الرئيس محمد ولد عبدالعزيز مأدبة إفطار في القصر الرئاسي بنواكشوط، على شرف كبار قادة أحزاب المعارضة والموالاة .
وضمت المائدة الرئاسية أربعة من قادة المعارضة هم: أحمد ولد داداه، زعيم المعارضة ورئيس حزب “التكتل”، ويحيى ولد أحمد الوقف، رئيس حزب “عادل”، وبيجل ولد حميد، رئيس حزب “الوئام”، وصار إبراهيما مختار، رئيس حزب “حركة التجديد”، إضافة إلى أربعة من قادة أحزاب الأغلبية، واثنين من الرؤساء السابقين للبلد هما: محمد خونه ولد هيداله والمصطفى ولد محمد السالك .
وقبل أن يقوم المدعوون من “المأدبة” التي استمرت أكثر من ساعتين، كانت الساحة الموريتانية قد هضمت ما دار من حديث “بين الرؤساء”، إذ لم يتم التطرق للقضايا السياسة المطروحة في البلد، واتسم الحديث بالودية والمرح، خاصة بين الرئيس عزيز وزعيم معارضته ولد داداه، ودار الحديث حول موسم الأمطار والأطعمة والعادات الغذائية الموريتانية، فيما تطرق النقاش في بعض جوانبه لقضايا دولية وبخاصة الوضع في باكستان والمخاوف من تقسيم السودان .
وإذا كان من غير الوارد إثقال “المائدة” في اجتماع كهذا بأعباء السياسة الداخلية، إلا أن المراقبين رأوا فيها مسعى واضحاً من الرئيس عزيز لكسر الحواجز النفسية بين أقطاب الصراع السياسي الذين اجتمعوا لأول مرة منذ الانتخابات الرئاسية الماضية، وبهذا الشكل الجماعي وجهاً لوجه . ولعل هذه هي الرسالة الرئيسية ل”مبادرة المأدبة” .
لكن اختيار لائحة المدعوين خلف أسئلة كثيرة في الساحة من بينها استبعاد رئيسي حزب “تواصل” (التيار الإسلامي) الموريتاني (المعارضة المعتدلة)، وحزب “اتحاد قوى التقدم” (اليسار) الذي يمثل رأس الحربة في المعارضة الراديكالية .
كما فسر تغيب رئيس البرلمان ورئيس حزب “التحالف الشعبي التقدمي” مسعود ولد بلخير، رغم تلقيه الدعوة، باستمرار رئيس البرلمان في التصعيد ضد النظام، خاصة وأن “اللقاء التاريخي” بين الرئيس ولد عبدالعزيز ورئيس البرلمان ولد بلخير هذا الأسبوع لم يسفر عن نتائج إيجابية فيما يتعلق بالحوار السياسي بين النظام والمعارضة، إذ قالت مصادر في حزب “التحالف” إن ولد بلخير أصر على أن يكون “اتفاق دكار” مرجعية للحوار وهو ما رفضه ولد عبدالعزيز .
وحسب المقربين من حزب رئيس البرلمان فإن لقاءات الرئيس عزيز بقادة المعارضة لا تتجاوز “حملة علاقات عامة للتغطية على سياسته”، وهو ما ترفضه المعارضة (الراديكالية) التي تصر على أن يتضمن الحوار وضعية الجيش الذي ينبغي أن يكون جيشاً جمهورياً لا علاقة له بالسياسة، ومراجعة المساطر الانتخابية بما في ذلك اللوائح الانتخابية والتقطيع الانتخابي، وقضايا حقوق الإنسان العالقة .
خلافات في صفوف المعارضة
فوجئت الساحة الموريتانية بأول خلاف علني بين قادة منسقية أحزاب المعارضة الموريتانية على خلفية الموقف من الجيش .
فبعد ساعات من إصدار المنسقية لبيان شديد اللهجة ضد السياسة العسكرية للرئيس ولد عبدالعزيز وتحميله مسؤولية تعريض البلاد للإرهاب على خلفية العملة الانتحارية التي استهدفت من خلالها “القاعدة” ثكنة للجيش شرق البلاد، واتهام المعارضة لعزيز بالارتهان في سياسته العسكرية للمصالح الفرنسية، خرج “التكتل”، أكبر أحزاب المعارضة، والذي يرأسه ولد داداه ببيان يتبرأ فيه من موقف المنسقية ويؤكد أنه اتخذ من دون علمه، وأنه لا يقبل أن تملى عليه المواقف، ليصدر بياناً آخر يؤكد فيه دعم القوات المسلحة، ثم تلاه حزب “عادل” (عضو المنسقية) في دعم الجيش .
ويرى المراقبون أن المعارضة الراديكالية (تحالف ولد بلخير وولد مولد وولد بتاح) تجاهل التعليق على موقف حزبي “التكتل” و”عادل” في محاولة لإبقاء تماسك المعارضة خاصة في ظل “الحاجة الملحة” لاتخاذ موقف موحد من الانتخابات التشريعية والبلدية السنة القادمة والتي تعتبر المشاركة الجماعية فيها أو مقاطعها عملية مفصلية بالنسبة للتوجه النهائي للمعارضة بتركيبتها الحالية .
هذا الانقسام في المواقف، الذي خرج للعلن لأول مرة منذ الانتخابات الرئاسية الماضية، هو وليد “حرب الزعامات” داخل معسكر المعارضة من جهة، ولكن من جهة أخرى لا يستبعد ما يتردد في الكواليس عن جهود استثنائية لقوى دولية وخاصة فرنسا التي تسعى لتنقية الأجواء بين طرفي الصراع في موريتانيا من أجل إيجاد جبهة داخلية متماسكة في وجه الحرب المفتوحة التي دخلتها موريتانيا على القاعدة في منطقة الساحل . وإذ كانت كل أحزاب المعارضة أجمعت على المطالبة بضرورة تنسيق الحكومة الموريتانية مع دول الجوار في موضوع الحرب على الإرهاب، وهو موقف مفهوم على اعتبار الارتباطات الإقليمية للمعارضة الموريتانية، فإن موقف زعيم المعارضة الداعم للجيش دون تحفظ في عملياته الداخلية والخارجية، قد يؤسس لمرحلة جديدة من التعاطي مع النظام القائم . ولكن تبقى ملامح تلك المرحلة غائبة في الضباب الكثيف الذي يحيط كالعادة تحولات المشهد السياسي الموريتاني والذي لا يسمح برؤية أي تفاصيل في الوقت الراهن .
إلى أين يمكن أن يصل الخلاف بين قادة المعارضة الموريتانية؟ وإلى أي حد يسمح الوضع في الساحة الداخلية ببسط سجادة المبررات لهذا الموقف أو ذاك؟
لا يرجح أغلب المحللين وصول الأمور في معسكر المعارضة إلى “نقطة اللاعودة”، فالوقت لا يزال مبكراً على القرارات بإعلان الطلاق البائن رغم “حالة النشوز” التي لم يعد في الإمكان التكتم عليها .
لكن الخلاصة هنا هي كالتالي:
الرئيس عزيز نجح في تأمين موقف زعيم المعارضة (الأهم معنوياً وقانونيناً) وراء الجيش في حربه على القاعدة، وهي حرب مصيرية بالنسبة للنظام وللبلد برمته . وسبق ذلك اعتراف زعيم المعارضة بشرعية النظام ما يسلب المعارضة أهم أوراقها .
الرئيس ولد عبدالعزيز يقترب من الاتفاق مع بعض قادة المعارضة من أجل ضمهم إلى صف الأغلبية في “التوقيت المناسب” .
المعارضة لم تنجح حتى الآن في تبني “استراتيجية” واضحة ومقنعة للشارع، وهو ما ينعكس بشكل واضح على أدائها، بل وبات يسمح بالحديث عن انقسامها الذي كان ينظر إليه على أنه مستحيل . . تلك هي “الزوبعة الصامتة” والمنتظر أن تزحف على جبهة المعارضة في أي وقت ما لم يعض “الزعماء” المتنافسون على “الحكمة” .
ومع هذا الوضع والحراك الجوهري، سواء في مواقف بعض المعارضة، أو الجهود التي يبذلها النظام في “حملة العلاقات العامة”، لا يتوقع أن تهدأ “الزوابع” في “أرض الرمال” فهناك معارضة راديكالية تستعد للشروع في استراتيجية التصعيد ضد النظام بعد شهر رمضان، وهناك أيضاً “صقور” الأغلبية الراغبون في الاستفادة من استمرار الاحتقان السياسي لتعزيز مواقعهم داخل الإدارة وإحكام قبضتهم على القرار الرئاسي . وهؤلاء “الصقور” يكررون عن قصد وسبق إصرار نفس خطوات أسلافهم في الأنظمة السابقة .