يلعب الناشر العربي دورا حاسما في تحديد مسارات الوجهة الثقافية للقارئ العربي من دون ان نغفل العلاقة الجدلية التي تربطه بالقارئ، يتقاطعان في الكثير من النقاط ويختلفان في نقاط اخرى، لكن لا مكان للقطيعة بينهما رغم الطابع التجاري الذي يجد الناشر نفسه فيه من خلال تعامله مع الكتاب من منظور الربح والخسارة . من جانب آخر يتحمل القارئ اعباء مادية لا تدفعه غالباً لقطع علاقته بالكتاب الذي يبقى لا غنى عنه رغم تعدد منافذ نشر المعلومة في ظل الثورة التكنولوجية . من خلال هذه المعادلة طرح العديد من مسؤولي دور النشر العربية رؤى متنوعة حول حركة النشر وعلاقتها بالمناخ الثقافي السائد، والعوامل المؤثرة في فعل القراءة ذاتها .
تعد هيئة أبوظبي للثقافة والتراث من الدعائم الأساسية لصناعة ونشر الكتاب في الإمارات، حيث اسهمت في تصدير الكتاب الاماراتي إلى الخارج فضلاً عن استيراد أرقى الكتب كما يقول فواز حواس الصديد، مدير الخدمات المكتبية في الهيئة، يؤكد الصديد أن الهيئة هي ورشة ضخمة للكتاب من خلال مشاريع عدة ترفد حركة النشر في الدولة وخارجها، مثل منشورات دار الكتب الوطنية، ومشروع كلمة للترجمة، مشروع قلم الذي يهتم بدعم المبدعين الشباب، ومشروع اكاديمية الشعر العربي المتخصص في إصدار المؤلفات الشعرية . ويضيف: من خلال المعرض يمكن لنا الحصول على نتائج هذه المشاريع الثقافية، فالقارئ هو الذي يحدد في النهاية المشاريع الناجحة من خلال اقباله على اقتناء الاصدارات، ونحن في الهيئة نحاول دائما أن نترصد امهات الكتب الأدبية والتاريخية وتقديمها لمكتبة القارئ العربي، المعرض بالنسبة لنا ليس وسيلة للبيع فحسب وإنما أداة لقياس اتجاهات القارئ، ومن المهم ان نحدد مزاجيته أيضا، ففي لبنان على سبيل المثال تلقى كتب الأبراج رواجا استثنائيا وبعدها تأتي الكتب السياسية، وفي دول المغرب العربي هناك اهتمام لافت بكتب الطفل باللغة العربية نتيجة انتشار اللغة الفرنسية، وبالتالي فإن ما نقدمه للقارئ نحرص ان يكون هو ذاته ما يطلبه ويحتاج إليه .
التنوع في العناوين المعروضة ومضامينها يعتمد بشكل أساسي على هوية الجهة الناشرة، فإصدارات مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية تركز على قضايا السياسة والاقتصاد والطاقة إضافة إلى قضايا اجتماعية تستند إلى أرقام واحصائيات علمية، حيث قدم المركز حتى اليوم أكثر من 700 عنوان للقارئ العربي . ويوضح علي سهيل، اخصائي تسويق اصدارات المركز، الفروقات الأساسية بين دار النشر وبين مركز الدراسات الاستراتيجية أو المؤسسات الثقافية المدعومة حكوميا، لأن عامل الربح المادي ليس واردا لدى الفئة الأخيرة من جهات النشر وليس شرطا للاستمرارية ويقول: نحن لدينا حسومات في هذا المعرض تصل إلى نسبة 50%، حيث لا نهدف إلى الربح . الأمر الآخر يتعلق بمفهوم التغيير ذاته، هل نحن نريد مواكبة انماط التفكير السائدة أم نسعى لتغييرها؟ أعتقد ان مراكز الدراسات والمؤسسات الحكومية تهتم بتطوير مدارك القارئ أكثر من مداعبتها كما نلحظ في إصدارات الكثير من دور النشر المؤكدة لأنماط فكرية تفوق حركة التطور الثقافية .
النهضة الاقتصادية التي تشهدها الامارات بشكل خاص ودول منطقة الخليج بصفة عامة لها تأثيرات على أكثر من مستوى بالنسبة للقارئ، فالنهضة الاقتصادية تعني المزيد من العمل اليومي والمزيد من الدقة في العمل، الأمر الذي يؤثر بشكل أساسي على مزاج القارئ الذي يجد نفسه امام ضغوط هائلة، ولهذا السبب يقترح علي سهيل أن تخصص المؤسسات الاقتصادية وغيرها مكتبات خاصة لموظفيها في مكان العمل، وتكون الكتب قابلة إما للاعارة او القراءة في مكان العمل من خلال تخصيص ساعتين في الأسبوع لكل عامل بهدف القراءة، وهذا يؤدي إلى توافق العامل مع وظيفته إضافة إلى ان جهة العمل تصبح صلة وصل بين العامل واهتماماته الثقافية .
وعن عزوف المواطن العربي عن القراءة تتحدث الباحثة الاعلامية فاطمة العياف، من جناح وزارة الاعلام الكويتية، وترجع السبب الرئيسي لهذه الظاهرة إلى الثقافة وليس إلى الأسباب المادية، وتستشتهد بالمستوى الاقتصادي لمواطني دول الخليج العربية الذي لا يعاني من الأعباء التي يعانيها نظراؤهم في دول عربية اخرى، ورغم ذلك فإن مستويات القراءة ليست أحسن حالاً . والمؤسسات الرسمية في منطقة الخليج تصرف اموالا طائلة في سبيل توزيع الكتاب بين الناس بغية قراءتها، ويقول كل اصداراتنا مجانية رغم الطابع الفخم لها الذي سيكلف كثيرا لو ان الجهة الناشرة كانت غير حكومية . وتشير العياف إلى نشاط ملموس في توزيع كتب الطفل بشكل عام، وهذه مفارقة يمكن للباحثين الوقوف عندها في ظل عزوف الكبار، عن القراءة إن انتشار كتب الطفل له دلالات ثقافية كبيرة ربما تكشف شيئا عن المناخ الثقافي والاجتماعي المستقبلي للمنطقة .
المعرض ليس مجرد مكان للخروج بقائمة من المبيعات وحسب، بل هو مكان مثالي للصفقات بين دور النشر العربية والأجنبية إضافة إلى نسج علاقات مع موزعين جدد كما يرى جبران أبو جودة، مسؤول دار الساقي، ويرى ان معرض أبوظبي هو الأكثر استقطابا لدور النشر الأجنبية مما يشكل نافذة واسعة لنا على جهات النشر العريقة في الغرب وفرصة لاظهار نتاجاتنا الجديد في حقل الثقافة حيث نشارك بستة وعشرين عنوان جديد في هذه الدورة تتنوع بين السياسة والأدب والفكر والنقد .
ويشير أبو جودة إلى نقطة تسويقية حاسمة في قرار الشراء لدى المتلقي، وهو عنوان الكتاب، فيجب أن يثير العنوان النقاش ويثير الجدل من دون المس بموضوعية المضمون ذاته، مثل كتاب “القاعدة” للصحافي عبدالباري عطوان أيضا شكل الكتاب يجذب القارئ حتى قبل أن يرى العنوان .
الكتاب الديجيتال هو الآخر رغم محدودية انتشاره حتى الآن في المنطقة إلا ان له مروجين في المعرض، ومنهم سندباد المحايري، مسؤول شركة بروميديا الايطالية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث يرى ان الكتاب الرقمي يختصر مرحلة اصدار الكتاب من تسع إلى ثلاثة مراحل، ويبقى التوزيع هو الاهم، لأنه يمكن التحكم بعدد النسخ المطلوبة في مكان معين، ويمكن طباعتها ورقيا من خلال أقرب طابعة .
ويصنف صاحب الشركة كارلو بونا نفسه بأنه ينتمي إلى الجيل السادس من عائلة بدأت مشوارها مع حركة النشر عام ،1777 ويعتبر جهوده تندرج في فتح قنوات جديدة للقراءة في المنطقة العربية، ومعرض أبوظبي للكتاب هو مكان ملائم لعرض مثل هذه الأفكار، ولا يقتصر عمل الناشر الايطالي على ذلك فقط، بل يقدم ببادرة منه خدمة نادرة للثقافات الشرقية من خلال إحياء الكتب القديمة التي تعود للمنطقة، مثل كتاب الترياق الذي يرجع تاريخه إلى عام 1200 م، حيث قام بنسخه من متحف أحد الكتب الأخرى التي نشرها بتناول فن المنمنمات التي ازدهرت في القرنين الرابع عشر والخامس عشر ووصلت تكلفة الصفحة الواحدة منه إلى 15 ألف درهم، ويشرح بونا رؤية فريدة حول مفهوم الماضي والمستقبل من حيث ان التركيز الشديد الذي ينصب على المستقبل حاليا أثر بشكل سلبي على مفهوم الماضي لدرجة يحاول الكثيرون التخلص منه، وهذا ما ادى إلى تراجع الكثير من جوانب الفن التقليدي المزدهرة في المنطقة كما في بقية العالم .
يرى الدكتور كيلاني محمد، من شركة تراديجيتال لتحديث الرقمية “مصر”, أنه رغم تخصص الشركة في الكتاب الالكتروني إلا انه لا غنى عن الكتاب الورقي، لكنه لا ينفي تأثير الشكل الالكتروني بشكل سلبي على انتشار الشكل الورقي ضمن فئات محددة من القراء، فالبعض يتجه إليه لأسباب مادية والبعض الاخر لندرة الكتاب الذي يبحث عنه . إلا ان النشر الالكتروني يعاني من ضعف المادة العلمية وسرعة تلفها .
بطاقة نعي للشعر حملها كلام عاتي بركات من دار الجمل والذي يرى أن المشهد الثقافي العربي لا يرحب بالشعر العربي الفصيح، ولذلك تتجه دور النشر لاصدار الروايات . يقول وأصبح لدينا الآن شعر العولمة ان صح التعبير، وهو يختلف تماماً عن شعر عنترة وامرؤ القيس، صحيح أن الشعر الحداثي فيه روح، لكن ايقاعه مختلف تماما عن الشعر التقليدي، والعرب عموماً لا يطربون بالشعر الخالي من الايقاع .
ويرى عاتي أن المجتمعات العربية لا تقرأ اليوم كثيراً وخصوصاً دواوين الشعر والكتب الفصيحة، فمن المعيب أن يطبع للشاعر الجواهري ثلاثة ألاف نسخة في عالمنا العربي، بينما يطبع لأي شاعر في دول أوربا ملايين النسخ .و شهرة الشاعر بشكل عام تلعب دوراً كبيراً في مسألة النشر، وأيضاً هناك بعض دور النشر التي تؤمن بنشر الثقافة تتبنى دواوين لشعراء جدد تجد فيها الجرأة والشجاعة والجمال .
لا يبتعد سعيد البرغوثي من دار كنعان للاعلام والنشر من نعي الشعر الذي أصبح برأيه في أخر قائمة اهتمامات القارئ، ويكاد يكون الشعراء الذين يلقون رواجاً معدودين على أصابع اليد . واعتقد أن الشعر نفسه بفتقد في المناخ الحالي إلى الإيقاع المعهود الذي عرف به، لكن بالرغم من الاغتراب الذي يعيشه الشعر الآن إلا أنه أصبح يتطلب التأمل أكثر من الانفعال، وبالنسبة للقارئ العربي للأسف قلائل من يتأملون ما يقرؤون، ولذلك تجدهم يذهبون إلى الرواية حيث الاسترخاء، وهذا ليس تقليلاً من شأن هذا الجنس الأدبي العريق . قارئ الرواية يمكنه الاسترخاء بطوي الكتاب حيث وصل، ثم يعود ليتابع من دون أن يتشتت، وهذا ما لا يوفره الشعر فهو أكثر تركيزاً وكثافة وحاجة للتأمل وكما يقول أحد الشعراء “قارئ الشعر شاعر” .
ويرى البرغوثي أن طباعة دواوين لشعراء جدد يعتبر أمراً خاسراً في الميزان التجاري، لذلك فمعظم الدور عندما يتقدم إليها شاعر جديد بديوان لتطبعه وتنشره، يحملونه نفقات ذلك كله . وحال القصة القصيرة ليس بأفضل من الشعر، فهي جنس أدبي يتطلب ابداعا كبيرا، ويتطلب أيضاً تركيزا عالياً وتأملاً من القارئ، والقارئ لدينا كسول لذلك فرواجها محدود، ومع انتشار جوائز الرواية وما يصاحبها من حملات اعلامية كبيرة، تكون حصة الأسد للرواية .
إشكالية
ينطلق الناشر محمد صبح، مدير التوزيع بالهيئة العامة المصرية للكتاب, من نقطة تلاقي مصالح كل من القارئ والناشر في تحمل الأعباء المالية المتبادلة، ويربطها بعلاقة جدلية مع المؤثرات الخارجة عن إرادة الطرفين والتي تفرض في الكثير من الأحيان ارتفاع سعر الكتاب في ظل محدودية قدرة القارئ على الشراء، وهذا الأمر مرده إلى التكاليف الاضافية التي تتحملها دور النشر التي تشارك في معارض دولية، وبذلك تتحمل نفقات الشحن المرتفعة إضافة إلى الضرائب الجمركية المفروضة على الكتب في المطارات ورسوم حجز المكان في المعرض، كل هذه العوامل ترفع من سعر الكتاب ويتحملها في النهاية القارئ، وعندها تكون الجهات الناشرة خسرت عددا كبيرا من القرّاء .