لم يكن هاجس شعراء الحداثة العالمية إذاً، في منبتها الغربي الأصلي، هو كسب الجماهير ولا الخضوع كذلك لذائقته التي تربت على يد الرومانسيين بالذات . فلقد أرادوا الجديد في كل شيء، في النص، واللّغة، والتراكيب الشعرية، والرؤية، والشكل الكتابي، والتوجه الفكري والجمالي، وفي مفهومهم عن جوهر الشعر أساساً . ذلك لأنهم كانوا يبحثون عن مكمن الإبداع الشعري وعن الفن الخالص، ولم يلتفتوا أبداً لما يعنيه الانتشار والتصفيق والشهرة والمجد من معنى، بل أنهم سخروا سخرية سوداء من كل ذلك . لقد كانوا ثواراً أحراراً ومتمردين في الأصل، ولم يقلدوا أو يحاكوا من سبقهم من الشعراء الذين جمدوا الشعر في بحيرات الصمغ؛ وإنما على العكس من ذلك، قاموا بتدمير جميع التابوهات الشعريّة القديمة، وشقوا الطرقات غير المعبدة، وكرسوا حساسيتهم وذائقتهم الجديدة، وأتوا بابتكاراتهم المدهشة التي قلبت الطاولة على رؤوس من أتوا قبلهم جميعاً .
كما أنهم وفي مواجهاتهم ضدّ تسليع الشعر، وتجميده أو قتله وجعله خاضعاً لطلبات الجماهير ومقيداً باستحكامات السوق وشروطه، تعمدوا أن يطبعوا كتبهم في طبعات محدودة وقليلة الانتشار . وذلك لأنهم كانوا يؤمنون بأن الشعر الحديث، هو “فن الأقلية” وليس فن الجماهير المستعار من حقب ماضية؛ وأن القارئ المفترض الذي يبحثون عنه ليس هو ذلك القارئ السلبي والسطحي، الكسول، والمتثائب، والمشمع الذهن والذائقة والحساسية والذي ينتمي لعصور سابقة؛ وإنما هو القارئ المثقف الإيجابي والمنفتح والمُستعد لتعلم الجديد والمغاير وغير المألوف، والذي يربي ذائقته وحساسيته على تعلم صياغات النص الحديث، وتلمس جمالياته وإدراك رؤاه وأبعاده، والذي هو بالتالي عبر هذا الاستعداد والتعلم كله - يسهم في تطور الثقافة الجديدة ذاتها ويرفع من شأنها كذلك . فهو بهذا المنطق يشكل مجتمع الأقلية الحميم، الذي يتوجه الشعراء إلى مخاطبته . أثمر حلم أولئك الشعراء الذين جوبهوا بالعداء والإهمال في حياتهم، وعبر تتابع الأجيال الحداثية، أن أصبح حلم إيجاد القارئ المثقف والذي يعد بالملايين اليوم، حقيقة واقعة في العالم قاطبة . لذا فإن مطلب أولئك الشعراء على إيجاد هذا النوع من القراء الأذكياء والمثقفين، مرتبط أساساً بمطلبهم لتغيير ركام الثقافة الماضوية التي كانت وما زالت سائدة، والتي تحتاج إلى وقت طويل من العمل والنضال والاستعداد والتعلم لتغييرها .
من هنا نفهم، لماذا قام رامبو مثلاً، بطبع كتابه الذي أثر تأثيراً حاسماً في شعر القرن العشرين: “فصل في الجحيم”، والذي دفع من جيبه الخاص لنشر الطبعة الأولى منه، كما يذكر الشاعر والناقد بير جيمفيرير، في (500) نسخة فقط . ولوتريامون هو الآخر، دفع من جيبه الخاص تكاليف نشر كتابه المؤثر جداً على الحركات الشّعريّة الطليعية في القرن العشرين، ونقصد به كتاب “أناشيد مالدورور”، فهو لم يتجاوز هذا العدد ولم توزع تلك الطبعة أبداً، بل ظلت في قبو الناشر حتّى تم اكتشافها وإعادة الاعتبار لها بعد عدة سنوات من موت صاحبها . أما بودلير، فلقد وصلت الطبعة الأولى من ديوانه الشهير “أزهار الشر”، الذي أثار حفيظة الكثيرين ووصل الأمر إلى المحاكم في عام ،1857 فلقد طبع منه (1100) نسخة فقط . بينما على الضفة الأخرى من الأطلسي، فلقد اشتملت الطبعة الأولى الصادرة في عام ،1855 من الديوان الشهير “ أوراق العشب” لوالت ويتمان، والذي لم يدفع تكاليف طباعته فحسب بل كان هو نفسه الطابع، إلى (795) نسخة لا غير . وحتى الطبعة الخامسة لم يربح ويتمان من كتابه بنساً واحداً، بل أنه من الطبعة الخامسة جنى 25 دولاراً فقط .
وعلى العموم، وعودة لجاك روبو و”عناد الشعر”، فإن كلامه عن أن الشعر لم يعد له أهمية لأنه لا يمكن بيعه، وأنه قد بات يلفظ أنفاسه الأخيرة؛ فهي في رأيي من الحجج الواهية والضعيفة جداً . لأن الشّعر الحديث في الأصل، وكما بينا أعلاه، قد تأسس ضدّ هذا المنطق النفعي والاستهلاكي أساساً، وإن الشعراء المؤسسين للحداثة الذين كانوا يطبعون كتبهم في نسخ محدودة، قد أصبحت تلك الكتب نفسها ومع مرور الوقت تطبع بعشرات الآلاف، وعبر اللّغات الحية كلها تقريباً . أي أن موقف أولئك الشعراء الكبار ومن تلاهم من الطليعيين، الرافض لمنطق السوق والحشود هذا، لم يجعل كتبهم ولا أسمائهم تختفي من الوجود بل أصبحت منتشرة على نطاق عالمي واسع . كما أن سيطرة الاقتصاد المعولم على عالم اليوم، والذي يجعل منه جاك روبو حجته في رسم نظرته السوداوية للشعر ويبشر بنهايته وتراجع قراءه، فهو يظهر بهذا عدم اطلاعه على وضع الشعر في البلدان المختلفة . ولنعطي مثالاً واحداً على ذلك . ففي معقل الرأسمالية والعولمة، أي في الولايات المتحدة الأمريكية ذاتها، قامت شركة فيليب موريس في عام ،1988 كما يذكر أوكتافيو باث ذلك، بإجراء مسح شامل حول “الفنون والأمريكيين” . ولقد نشر المركز القومي للفنون، تلك الإحصائيات بعد ذلك . ولعل المدهش والمفاجئ فعلاً الذي كشفته هذه الإحصائيات، هو أن(42) مليون أمريكي يكتبون الشعر والقصص . ولعل هذا الرقم الصادم والمفرح وحده فقط، يكفي للإطاحة بحجج روبو وادعائه الباطل عن عدم أهمية الشعر والشعراء، والقول بموته الوشيك في زمن العولمة . بالطبع، هناك الكثير من الشواهد والأمثلة الجميلة، التي تؤكد على تزايد الاهتمام بالشّعر والشعراء عالمياً، ولكن المجال هنا يضيق بي على ذكرها .
ولعلي في الأخير، وبعيداً عن هذه التقولات والادعاءات السوداوية البائسة، لا أجد كلمة أختم بها أفضل من نصيحة بودلير إلى الأدباء الشّباب، فهو يقول: “وأما بالنسبة لأولئك الذين يكرسون حياتهم للشّعر وهم مزودون بالموهبة فأنصحهم بأن لا يتخلوا عنه أبداً . فالشعر واحد من الفنون التي تحقق أفضل العوائد، لكنه ذلك النوع من الاستثمار الذي لا يعطي نتائجه إلا بعد وقت ويمكنني أن أضيف أنه يعطي فائدة بنسبة عالية جداً . وإنني أتحدى الحساد بأن يدلوني على أشعار جيدة خربت بيت ناشرها” . هكذا إذاً هو الشعر، فلا جميع القوى والكوارث والحروب والتحولات والاكتساح الاقتصادي عبر التاريخ البشري كله، استطاعت أن تدفنه تحت أنقاضها بالمرة . لأنه ببساطة، سيظل ضرورة وجودية قصوى .
Azjm959@yahoo .com