أوصى قادة رأي وشخصيات اعتبارية وأكاديميون بضرورة إنشاء مراكز تدريب كوادر وطنية لإعداد المعلومات المساندة لصناع القرار، في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وغيرها، مشددين على أهمية وسائل الإعلام الموجهة، بعيداً عن الجانب الإعلاني، وداعين المسؤولين إلى الأخذ برأي حملة الشهادات العليا والمتخصصين من أبناء الوطن، والاستعاضة بهم عما يسمى الخبراء الأجانب الذين يزج بهم في تقييم أداء المؤسسات الوطنية، وهم ابعد ما يكون عنها .
وطالبوا بالإسراع في إيجاد تشريعات وقوانين خاصة بالجرائم الالكترونية، وإيجاد حلول للاختراقات المتواصلة لشبكة المعلومات العامة والخاصة، إلى جانب توطين تكنولوجيا المعلومات في الدولة خبرة وإدارة لحماية الأمن القومي .
جاء ذلك خلال مجلس الدكتور سعيد سلمان رئيس شبكة جامعة عجمان الرمضاني الذي عقد مؤخراً في منزله بعجمان، تحت عنوان “أثر المعلومات والإعلام في صنع القرار”، استضاف فيه كلا من الفريق ضاحي خلفان القائد العام لشرطة دبي، ومحمد حسن عمران رئيس مجلس إدارة مؤسسة “اتصالات”، والدكتور منصور العور مدير جامعة حمدان الالكترونية، كمتحدثين رئيسيين،بحضور نخبة من المثقفين والشخصيات الاعتبارية في الدولة وعمداء كليات الجامعة .
ناقش المجلس محورين أساسيين هما أهمية المعلومات الدقيقة لدى صانع القرار، ودور وسائل الإعلام في الاستجابة لمتطلبات الجمهور .
في كلمته الافتتاحية للمجلس أشار الدكتور أحمد عنكيط نائب رئيس جامعة عجمان للشؤون الخارجية، الذي أدار النقاش إلى أن موضوع المجلس اختير عن قناعة، ووعي عميق بالأهمية القصوى التي أصبحت تكتسيها المعلومات بالنسبة للحضارة الإنسانية في الوقت الراهن، وباتت تشكل الهيكل الأساس في صنع القرارات، ووضع السياسات على مستوى العالم .
وقال إن أي حديث عن المعلومات والإعلام من الناحية الفكرية، يقود إلى الحديث عن الاتصال الذي هو عملية تفاعلية لها شروطها المعروفة، واركانها المتمثلة بالمرسل والمستقبل والرسالة والوسيلة السياق، وإن وسائل الاتصال قد تطورت بشكل ملحوظ مع ثورة تكنولوجيا والمعلوماتية التي شهدها العالم خلال العشرين سنة الماضية .
وفي كلمته تحدث الدكتور سعيد عبدالله سلمان، عن “أثر المعلومات والإعلام في صنع القرار” من خلال بعض دراسات الحالة التي عايشها في مراحل عمله في المناصب الرسمية التي تولاها كوزير وسفير للدولة .
وقارب د. سلمان موضوع الندوة انطلاقاً من رؤيته الشاملة ذات الأبعاد الثلاثة “التعليم والمعلومات والاستثمار”، ووفق نظام الملفات المطبق في شبكة الجامعة الذي يشمل (الملف الاستراتيجي، والملف الفكري الأكاديمي، والملف القانوني، والملف المالي الاستثماري، وملف المعلومات والإعلام والترويج، وملف المعايير وضمان الجودة ومراقبتها، ثم ملف المتابعة والتحديث والتطوير)، شارحاً كل واحد منها على حدة .
وشدد على أهمية المعلومة الدقيقة بالنسبة للسياسي وصانع القرار، مؤكداً أن “عملية صنع القرار لا تقتصر كما يتبادر للذهن على رؤساء الدول والحكومات، بل إن المرأة في بيتها صانعة قرار” .
وتساءل الدكتور سلمان: من انتصر في حرب الخليج؟ هل هي المؤسسات العسكرية والحربية؟ أم الجامعات والمعاهد العلمية ومراكز المعلومات والبحوث؟ وكانت الإجابة حسب رأيه الذي نشره في احدى مقالاته سابقاً أن “الجامعات ومراكز المعلومات والبحث والتدريب في الدول المتقدمة تمثل بيوت خبرة أكثر منها جامعات تقليدية رتيبة، حيث قامت هذه المؤسسات بالربط بين المخترعات والتصنيع والتطوير، وعليه فإن الذي حارب في الخليج بشكل مباشر وغير مباشر هي الجامعات ومراكز المعلومات والبحوث المنتجة للفكر والحضارة” .
كما تناول رئيس جامعة عجمان إشكالية الفراغ القانوني في التعاملات الإلكترونية، وعلاقتها بصنع القرار، حيث أكد أن ثمة فراغاً قانونياً واختراقات يومية لشبكات المعلومات العامة والخاصة، فيما يعرف بجرائم الإنترنت، التي تكلف مليارات الدولارات، بالإضافة إلى سرقة البرامج وقرصنتها، وللأسف لا يلقى بعض مرتكبي هذه الجرائم الجزاء بسبب وجود الفراغ القانوني وصعوبة تتبعهم على حد قوله .
وتساءل الدكتور سعيد سلمان باستنكار “لماذا عارضت أمريكا التشريعات القانونية للمعاملات عبر شبكة الإنترنت قبل 11 سبتمبر/أيلول؟ ولماذا فرضت قيوداً وتشريعات صارمة بعد هذا التاريخ؟ هل الدافع كان أخلاقياً أم أنه فقط بحجة الحرب على الإرهاب؟” .
وفي ختام حديثه قال “أريد المؤازرين والمناصرين إلى كلمة سواء، لتدريب كوادر مؤهلة تسهم في إعداد وتجهيز المعلومة لصانع القرار، وتقييم رجع الصدى” .
وفي كلمة الفريق ضاحي خلفان قائد عام شرطة دبي، عبر عن أسفه لعدم وجود مراكز معلومات وأبحاث لدعم صناع القرار في الدولة، ولوجود ثغرات في القوانين الخاصة بالجرائم الالكترونية، والاختراقات المتواصلة لشبكات المعلومات العامة، مؤكداً أن لدى الدولة متعلمين مؤهلين قادرين على قراءة المستقبل، وصياغة الخطط المناسبة له، لكنهم غير مستغلين أو منتجين، أو ربما هم غير فاعلين، حيث لا يرى لهم إنتاج أو ظهور، ويجب استغلالهم وتفعيلهم، وعدم هدر طاقاتهم الواعدة، حسب قوله .
ثم تساءل “لماذا لا توجد مبادرات غير رسمية لإنشاء مراكز بحوث ومعلومات داعمة لصنع القرار، مثلما توجد هناك معاهد وكليات ومؤسسات أكاديمية يديرها أفراد؟ ولماذا البحوث غائبة في مؤسساتنا التعليمية، ولماذا هناك تكدس في بعض التخصصات الجامعية في الدولة على حساب أخرى نحن بأمس الحاجة إليها؟ لماذا لا نستثمر فكرنا ونعد العدة للمستقبل؟” .
وحث الفريق ضاحي خلفان الجامعات والمؤسسات الحكومة والخاصة على عمل دراسات وأبحاث تمكن صانع القرار من الأخذ بتوصياتها في التخطيط ومواجهة الأزمات، مشيراً إلى أن وجود عدد كبير من التخصصات الجامعية مرتبط بغياب المؤسسات البحثية والإحصائية القادرة على دراسة حاجة السوق والدولة الحققية لنوعية الخريجين، واتخاذ القرار المناسب لتقنين هذه التخصصات، والتوجه نحو الأخرى .
وقال “نحتاج إلى مختصين في القانون لصياغة تشريعات تملأ الفجوة بين بعض القوانين، ويتم تعميمها على الجمهور من خلال وسائل الإعلام، وهناك الكثير من مرتكبي الجرائم الالكترونية نالوا البراءة من المحكمة، بعد أن نظرت في قضاياهم نتيجة هذه الثغرات” .
وأكد الفريق ضاحي خلفان أن سمو الشيخ سيف بن زايد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية، أحدث نقلة نوعية على مستوى الوزارة من خلال خطته الاستراتيجية المرتكزة على أن يتخذ مديرو الأمن قراراتهم بناء على معلومة ودراية، وبعد تقصي مجريات الأمور، مبشراً بأن مديريات الشرطة تحتاج إلى 3 سنوات فقط من أجل أن يكون هناك تقارب بينها، وأن تسير وفق قاعدة بيانات واضحة المعالم .
وأثار محمد حسن عمران رئيس مجلس إدارة مؤسسة “اتصالات”، في كلمته عدة مسائل وحقائق تعكس حجم التعامل مع التكنولوجيا والمعلومات في هذا العصر، وفي المستقبل، مؤكداً دور الإعلام والمعلومات في صنع واتخاذ القرار .
وأشار عمران إلى تغير استخدام المعلومة عما كان في السابق، لا سيما بعد مجيء الانترنت والتحول نحو التفاعلية في التعامل مع وسائل الإعلام، لافتاً إلى انه يوجد في العالم نحو 6 مليارات نسمة، مقابل 1،5 مليار مستخدم للموبايل، يتوقع ارتفاعهم بنسبة عالية بعد نحو 5 سنوات، إلى جانب انه سيكون في العالم نحو 50 مليار آلة اتصال، ستدخل في جميع شؤوننا وحاجاتنا وفي اتخاذنا للقرار .
وأضاف “هذا يعني انه سيكون لدينا كم كبير من المعلومات، منها الغث ومنها السمين، ويجب على الدول النامية مجاراة هذا التقدم التقني والمعلوماتي والتكنولوجي، لأنه سيفرض عليها تحديات جمة تتطلب منها تخصيص موازنات كبيرة لاستيعاب ذلك، كما يفرض علينا جميعاً الاستفادة من المعلومات لإنشاء قاعدة بيانات دقيقة تساعد الباحثين وصانعي القرار في رسم الخطط والبرامج على أساسات علمية منطقية تستشرف المستقبل” .
وانتقد رئيس مجلس إدارة مؤسسة “اتصالات” مسألة عدم وجود مركز متخصص في الدولة في مجال الإحصاء والبحوث والمعلومات الدقيقة، في شتى المجالات العلمية والاجتماعية، داعياً إلى تكاتف جميع الجهات ذات العلاقة، لإنشاء مثل هذه المراكز بمشاركة الجهات المستفيدة من المعلومات والبيانات التي يوفرها المركز .
الدكتور منصور العور مدير جامعة حمدان الالكترونية، يرى أن التكنولوجيا هي وعاء المعلومات، قياساً على ان اللغة هي وعاء الفكر، وأن الحديث عن المعلومات بعيداً عن التكنولوجيا فيه نقص، مشيراً إلى انه يجب التنبه إلى مسألة الأمن القومي طالما أن مسألة صنع القرار ترتكز على المعلومة .
واستحضر رئيس جامعة حمدان بن محمد الالكترونية تجربتين عمليتين تدللان على خطورة اختراق المعلومات السرية الخاصة بالدول، إحداهما في العام ،1997 والأخرى في عام ،2005 حول تجسس “إسرائيل” على شخصيات سياسية في الرئاسة ووزارة الخارجية للولايات المتحدة منها (قضية كلينتون مونيكا)، عبر أجهزة الحاسوب التي كانت تستخدم في المؤسسات السياسية والأمنية الأمريكية، التي شاركت “إسرائيل” في صنعها وبرمجتها، وهو ما دفع بالولايات المتحدة إلى تغيير جميع أجهزة الحاسوب في مؤسساتها واستبدالها بأخرى صنعت بالكامل داخل أراضيها .
ولصد أي خروقات أو سرقة معلومات تهدد أمن الدولة، نادى الدكتور العور بتوطين حقل تكنولوجيا المعلومات خبرة وإدارة، على غرار ما قامت به مؤسسة الإمارات للاتصالات، حينما وطنت جميع المراكز والمناصب والمهام داخلها .
من جانبه حذر محمد ذياب الموسى المستشار التربوي في الديوان الأميري في الشارقة، من خطورة سيطرة أجهزة الإعلام على عقول الجمهور، لا سيما التلفزيون الذي ركز عليه في مداخلته، قائلاً “إن التقدم التقني الإعلامي فيه إبهار وتنميق يطغيان على المحتوى، وان الحاجة ماسة لتطويع الإعلام كي يخدم أهدافنا الخاصة بشكل صحيح، لا أن تملى رسائله علينا بدون تدخل منا” .
وطرح عدد من حضور المجلس جملة من التساؤلات ذات الصلة بموضوع النقاش، وقدموا اقتراحات، حيث تساءل محمد سعيد سلمان مدير إدارة تقنية المعلومات في شبكة جامعة عجمان عن مدى جاهزية دولة الإمارات للتصدي لأي هجوم منظم في ظل تطور التكنولوجيا، وأكد محمد حسن مجيباً على هذه المداخلة أن الدولة جاهزة، وتعد شبكتها الرقمية مع أكبر 10 دول متقدمة، إضافة إلى أنه تم رصد 5 مليارات درهم لهذا الغرض .
كما تساءل إبراهيم الشامسي دكتور الاتصال الجماهيري في جامعة الإمارات، عن سبب استعانة الدولة بخبراء أجانب لتقييم أوضاع مؤسساتها ووضع الخطط والبرامج لها في ظل وجود خبرات محلية مواطنة قادرة على ذلك، متسائلاً لماذا يستعين المجلس الوطني مثلاً بخبراء دوليين لتقييم أدائه، بينما هناك مواطنون من حملة الشهادات العليا في العلوم السياسية وما شابهها يمكن الاستفادة منهم، ورد عليه الفريق ضاحي خلفان قائلاً “بالفعل أنا ألوم المجلس الوطني على ذلك، فهو لم يستدع خلال تاريخه أحداً من حملة الشهادات العليا وقادة الرأي في أي جلسة، حتى لو كانت غير رسمية لمناقشة احتياجاتهم وهمومهم والاستماع إلى آرائهم، من اجل نقلها إلى الجهات العليا، كما لم أر إعلاميين مواطنين يناقشون عبر شاشاتنا الفضائية مشكلات الشباب وينقلونها إلى المسؤولين، مع انه لدينا ساحة جيدة غير مستغلة للحوار” .
وأعرب ثامر سعيد سلمان نائب رئيس جامعة عجمان للشؤون المالية والإدارية عن أسفه، لحالة التردي التي وصلت إليها وسائل الإعلام العربية، لا سيما غير الإخبارية، مشيراً إلى أنها منفلتة من عقالها، وتبث رسائل ومواد إعلامية إلى الجمهور قد تكون مسمومة من دون رقابة .
وقال “إنه لأمر محزن أن يتم إنفاق نحو 120 مليون دولار لإنتاج 60 مسلسلاً لشهر رمضان الحالي، مع انه يفترض أن تصرف هذه الأموال في قنوات اكثر فائدة للمجتمع” .
وتحدث علي عبيد إعلامي وكاتب صحفي عن وجود مواطنين من حملة الشهادات العليا بتخصصات مهمة، لم يجدوا الرعاية والاهتمام، ولم توفر لهم فرص العمل بالرغم من كفاءتهم .
ودعا أستاذ التخطيط الاستراتيجي د . إبراهيم إلياسي إلى ضرورة التفات المسؤولين الذين يتحدثون في الإعلام، إلى توجيه الإعلاميين نحو القرار الصحيح، وأن يخرجوا من دائرة التفرج إلى الإصلاح والتأثير البناء .
"بلاك بيري" وتكنولوجيا اتخاذ قرار
احتلت قضية حجب خدمات هواتف ال”بلاك بيري” حيزاً من النقاش، وتبادل المتحدثون والحضور الرأي حولها لاتصالها المباشر بموضوع المجلس، مجمعين على أن الخطوة التي قامت بها الدولة لحجب هذه الخدمات موفقة وحكيمة، وتعكس سيادة الدولة في قراراتها، وحرصها على أمنها وأسرار مواطنيها .
وقال الفريق ضاحي خلفان إن مسألة إيقاف خدمات ال”بلاك بيري” لا تهدف إلى تضييق الحريات على المستخدمين، بل إلى لجم الشائعات الكاذبة، والتشهير ببعض رموز الدولة، نتيجة غياب الرقابة على المعلومات التي يتم تبادلها عبر هذه الأجهزة، مؤكداً أن الولايات المتحدة الأمريكية هي المستفيد الأول من غياب الرقابة على ال”بلاك بيري”، وقال إن لها مصلحة في ذلك للتجسس على دولة الإمارات .
وقال “اتهمنا الغرب بأننا قيدنا حريات مستخدمي ال”بلاك بيري”، في الوقت الذي يباح فيه لأمريكا و”إسرائيل” وبريطانيا ودول أخرى الاطلاع على كل المعلومات المتداولة” .
كما أكد محمد حسن عمران رئيس مجلس إدارة مؤسسة “اتصالات”، إن قرار الدولة في هذا الموضوع سيادي بامتياز، ولا يقبل النقاش والتقييم، مشيراً إلى أن من حق الدولة أن تحدد ما ماينفعها وما يضرها، وأن على جميع الدول أن تحترم قراراتها وخصوصياتها . وأوضح أن المفاوضات مازالت مستمرة بشأن إيجاد حل لمسألة مراقبة خدمات ال”بلاك بيري”، وأن الدولة لن تخسر في حال تعثر ذلك، لافتاً إلى وجود حلول مع شركات هواتف نقالة أخرى يمكن الاستفادة منها في هذه الخدمات .