عرف أواخر القرن الرابع في مصر والمغرب والأندلس، طائفة كبيرة من المؤرخين الذين أمدونا بمادة غزيرة تصور لنا ما وصلت إليه الدراسات التاريخية من نهضة مباركة في ميدان الثقافة الإسلامية، وما انتهت إليه الحياة السياسية من إمارات ودول وسلاطين . وما من شك في أن ظهور ثلاث ممالك متصارعة في بلاد العرب والمسلمين، كانت تحتاج إلى الجهود الجبارة من قبل المؤرخين وكتاب السير وجمهرة المنشئين والشعراء، من أجل الوقوف على الأحداث والأسانيد والآثار ومجريات الأمور . فما بالك إذا كانت هذه الممالك متباينة في صعد السياسة والعقيدة، وعلى مستوى الآمال والتطلعات، مثل الدولة الفاطمية والإمارات الصليبية والسلطنة الأيوبية؟
والوقوف على تاريخ هذه الدول وما نشأ بينها من صراعات، وما وسمت به الحضارة العربية من طوابع وآثار، يستدعي من القارىء الاطلاع على سير الأحداث أواخر الدولة العباسية، وقراءة مختلف وجوه الصراع بين الدول والإمارات التي انشقت عن الخلافة العباسية، مثل البويهيين والسلاجقة والإسماعيليين .
العتبي ومسكويه
إن استعراض أهم المدونات التاريخية لتلك المرحلة السياسية والعسكرية والثقافية والحضارية الصعبة التي سبقت ظهور الزنكيين والأيوبيين وما بينهما من ممالك صليبية، لهو عمل يُسهل على الباحث مهمات العودة إلى تلك الأزمنة الصعبة وقراءة أحداثها في لحظاتها التأريخية الأولى .
فقد وضع أبو نصر العُتْبي (بضم العين وسكون التاء) (ت 428هـ) كتابه عن حياة السلطان محمود الغزنوي وسماه “تاريخ اليميني” نسبة إلى يمين الدولة محمود الغزنوي (القاهرة 286هـ) ويقع في جزأين مؤرخاً به لظهور الدولة الغزنوية التي استقلت عن الخلافة العباسية .
أما ابو الحسن مسكويه (ت: 421هـ) فقد وضع كتاباً سماه “تجارب الأمم” وهو من أهم الكتب التاريخية، ويتناول جزء منه الكلام عن الحوادث المتممة لتأريخ الطبري، وينتهي في سنة 369ه . ولا يكتفي مسكويه بذكر الحوادث التأريخية بل يعنى بالشؤون الاجتماعية، وخاصة الأحوال الاقتصادية، عناية كبيرة . وبذلك خطا خطوة جديدة نقل بها دراسة التأريخ من سرد الحوادث الجافة إلى معالجة الشؤون الاجتماعية والعمرانية . وقد تناول مسكويه بإسهاب تأريخ الصدر الأول من عصر الدولة الحمدانية .
وأسهم المستشرقان “دي غويه ودي يونج” في نشر جزء من كتاب “تجارب الأمم”، ويتناول الحوادث التأريخية التي وقعت من خلافة المأمون سنة 198هـ إلى أواخر خلافة المستعين (248 - 252هـ) . وقد نشر المستشرقان “دي غويه ودي يونج” أيضاً الجزء الثالث من كتاب “العيون والحدائق في أخبار الحقائق” لمؤلف مجهول، ويتناول الحوادث التأريخية من خلافة الوليد بن عبد الملك سنة 86هـ إلى نهاية خلافة المعتصم العباسي سنة 227 هـ . (ص 1 - 410) .
وقد ذيل ظهير الدين محمد الحسين الدوذراوري، وزير الخليفة العباسي المقتدى (476 - 487هـ) المعروف بأبي شجاع تأريخ مسكويه بتأريخه، الذي تناول فيه الحوادث التي وقعت بين سنتي 369 و389 هـ .
أبو الريحان البيروني
وتعتبر مؤلفات أبي الريحان البيروني الخوارزمي (ت440 هـ) من أهم مصادر التأريخ والاجتماع في ذلك العصر . وقد قضى البيروني حياته في كنف مأمون بن مأمون أمير خوارزم، ثم زار حول سنة 390هـ بلاط شمس المعالي قابوس بن وشمكير الذي اشتهر في طبرستان بتشجيع العلماء، وأهدى إليه البيروني تأريخه المشهور “الآثار الباقية عن القرون الخالية” الذي نشره “إدوارد سخاو” “Sachau” مع ترجمته الإنجليزية “لندن 1879 وليبزغ 1878 - 1879” . ويتناول هذا الكتاب القيم نظم الطوائف والجماعات المختلفة، والاحتفال بالأعياد القومية والدينية بوجه خاص .
ثم عاد البيروني إلى موطنه خوارزم حيث قضى بقية حياته فى بلاط محمود الغزنوي صاحب الفتوح المشهورة فى بلاد الهند، التي غزاها اثنتي عشرة مرة ونشر الإسلام في كثير من ربوعها . وقد صاحب البيروني السلطان محمود الغزنوي في أغلب غزواته لبلاد الهند، حيث لزم البيروني العلماء والفلاسفة وتعلم اللغة السنسكريتية، واتسعت ثقافته بما أفاد من العلماء الهنود في التأريخ والرياضة والجغرافيا والعلوم الطبيعية .
وفي هذه الرحلات، جمع البيروني علوم الهنود ومذاهبهم وعاداتهم، وهي المعلومات التي ألف منها كتابه “تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرزولة” ويعرف باسم “تاريخ الهند” . ومن هذا الكتاب، يتضح أن البيروني كان ملماً باللغة السنسكريتية وبقليل من العبرية والسريانية، وأنه لم يكن يعرف اليونانية، بل استقى كثيراً من معلوماته عنها من التراجم العربية أو السريانية . وقد قيل: إن مؤلفات البيروني أربت على المئة مؤلف .
وللبيروني أيضاً كتاب “تأريخ خوارزم” . ويقال: إنه جمع فيه جميع الأخبار والآثار والقصص المتعلقة بوطنه وخاصة الوقائع التأريخية التي شاهدها بنفسه . وقد أورد أبو الفضل البيهقي عدة فصول من هذا الكتاب في كتابه “تأريخ المسعودي” .
ومن مؤلفات البيروني كتاب “التفهيم في صناعة التنجيم” وهو في مقدمات علم الهيئة والهندسة والنجوم بطريق السؤال والجواب . وقد قدمه لريحانة بنت الحسن الخوارزمية، وكتبه باللغتين العربية والفارسية، غير أنه جعل إحداهما ترجمة للأخرى.