الخليج الثقافي
أريجُ نرجسٍ . . وليلٌ . . وطرقاتٌ موحلة
الشعر والأشياء آخر تحديث:السبت ,13/03/2010
محمد الأسعد

1/1

للشاعر الجزائري مالك حداد عدة روايات ومجموعتان شعريتان، ولكن سطراً واحداً في روايته “سأهبكِ غزالة”، أيقظ في نفسي موضوعاً فكرتُ فيه زمناً وتلاشى . يصف الشاعرُ في هذا السطر أبياتاً شعرية لفرنسي بهذه الكلمات: “ . . وكانت أبياته تعبق بأريج حبق الفتى” . لا أعرف حبقاً بهذا الاسم، ولكن ما لفت انتباهي وأعادني إلى موضوعي المنسي قوله إن أبياتاً شعرية تعبق بالأريج، وأريج الحبق بالذات الذي يكثر في أغاني بلادنا . وتذكرتُ فوراً ما نسيتُ، فاجأتني قارئة ذات يوم حين أدركتْ من قراءة ثلاثة سطور شعرية لي مرت بها على صفحة أحد المواقع الإلكترونية أنني فلسطيني . كانت السطور الثلاثة تجري هكذا: “رائحة النرجس! /لابد أنه الليل/ والطرقات الموحلة” . لم يكن في أي سطر من هذه السطور ما يدل مباشرة على أن القائل من “فلسطين”، ومع ذلك أكدت لي القارئة، بعد أن سألتها عن أدلتها، أنها أدركت جنسية القائل من هذه الكلمات، النرجس، الليل، الطرقات الموحلة، من كلمات تنشر عبقاً وتقود إلى مكان . وأضافت: “أليست هذه هي فلسطين؟” .


بدا لي التفسير مدهشاً، وفكرت: “إذاً، هذا هو ما يسمى في النقد التعبير غير المباشر (التعبير الشعري أو البلاغي . . أو ما شئتَ من أوصاف)، وهذا هو ضد المباشرة التي نعتقد أنها عدو الإحساس الشعري” . أن تعبق الأبيات بمشهد ما، بإحساس ما، أي أن تقول كل شيء ولا تقول في الوقت نفسه، ان توحي ببضعة ألفاظٍ ببلدٍ أو مشهدٍ ما من دون الحاجة إلى التسمية الصريحة التي هي من وظائف رسامي الخرائط لا الشعراء، أن توحي بعاطفةٍ ما من دون الحاجة إلى الاتكاءِ على الكلمات المكرورة، مثل القلب والكبد والرئتين، التي يشويها باعة الكباب، حسب تعبير ساخر سمعته من الشاعر الراحل محمود البريكان .


ولكن ما شأن “الأريج” و”النرجس” بكل هذا؟


حين تعبق الأبياتُ الشعرية، يتولد إحساسٌ غير مُسمّى، وغير محدّد، ولكنه مع ذلك مؤثرٌ مثلما تؤثر فيك عينان/ نافذتان لا أحد فيهما، ومثلما يؤثر فيك مساء ممطر لا تجد له تفسيراً من عشرات الألفاظ التي تستدعيها ولكنها لا تسعفك . اللاتحدّد، ربما هو هذا الشعور الغامر الذين تحمله الطبيعة وظواهرها، يحمله الليلُ والنرجسُ والطريقُ الموحلُ والحبقُ العابقُ . . والإنسانُ العابر أيضاً، من دون أن نستطيع تسميته وتحديده . ولكن هذه ليست سوى عتبة، فالقارئ لايظل عند عتبة “اللاتحدّد”، إنه ينزلق إلى المشهد، ويفكر ويتأمل، أو قد يُؤخذ، ولايظل محايداً . لقد نجح الشاعر في استدراجه للخروج من وقفته “المحايدة”، أي من الزاوية المعتادة التي يلتقط فيها ما يعنيه وما لايعنيه بالدرجة نفسها من اللامبالاة . إنه يدخل الآن، ويسعى إلى تحديد ما أثارته فيه هذه السطور . هو من يحدّد الآن الكيفية التي “يتمثل” له فيها هذا الدفق من المشاهد والصور، هذا الأريج الذي تعبق به الأبيات الشعرية .


أعود هنا إذاً إلى اللامباشرة مرة أخرى وقد أصبحت تعني شيئاً واحداً في اتجاهين: الحرية في جانب الصور الشعرية، وقد تحققت في هذا اللاتحدّد العاطفي، والحرية في جانب القارئ الذي يقف أمام عشرات بل ومئات الممكنات، ويكون عليه أن يجعل واحداً أو أكثر منها “يتمثل” في عاطفة محدّدة، تجاه بلد أو أرض أو شخص أو ذكرى . من المؤكد أن لذاكرة القارئ دوراً في تحديد نوع ما “يتمثل” في خياله أو وعيه، ذاكرته الثقافية أو تجاربه الحسية . لا يتوقف الأمرُ على عتبة أبيات الشاعر وحدها، ولكن لهذه العتبة الأهمية الكبرى في تحديد مسار ونوعية التمثلات . أي لا بد أن يكون لما نسميها أبياتاً شعرية ملمسٌ وأريجٌ ولونٌ ونوافذُ تطلّ على حقولٍ وسماواتٍ، أو آفاق بالمعنى الحسي وليس التجريدي . مكان ما يتطلع منه القارئ إلى ما حوله .


* * *


بعض الشعرِ لا يشعركَ بأنك تقف أمام عتبة عليك اجتيازها، أو ظلالٍ تسعى إلى أن تكون شيئاً ملموساً، أي أن “تتمثل” في شيء محدّد . مثل هذا الشعر قد ترى نفسكَ معه في زنزانة اسمنتية رطبة بلا نوافذ، ثقيل كل ما تراه وتحاول لمسه . لا ممكن خلف العتمة والرطوبة والجدران، سوى العتمة والرطوبة والجدران . بعض الشعر يحيطكَ برفيف كلماتٍ على الورق، ولاشيء غير الورق وصوته . إنه كلمات تقال وتتطاير في كل اتجاه، تفتقر إلى العبق الذي يصفه مالك حداد، واتساع الليل ووحول الطرقات ورائحة النرجس، وتفتقر إلى كوامن يمكن أن تكون شيئاً ملموساً . هذه مسألة تبدو مسألة تقانة فنية . نعم هي مسألة تقانة فنية، من دونها يتساقط الكلام ورقاً لا فراشات حقل، ويغدو مثلاً أو حكمة، أو حِيَلاً لفظية تشبه قفزات بهلوان مثيرة لا إحساس شاعر .


ولكن لئن كانت خيارات مالك حداد أو تلك القارئة تنقلك إلى مشهدٍ جماليّ يعبق بقوة الحياة، ويبث فيك وفي ما حولك ذكرى حياة منسية، أو حياة مقبلة، فإن هناك خياراتٍ أخرى تنقلكَ إلى مشهد له “جمالياته” الخاصة، مشهد غبار يثور وصوت صليل سيوف أو تكسر رماح، مثل ذلك المشهد الذي لا تخلو منه أبيات المتنبي مثلاً أو أبيات المعري الذي يحاكيه في “سقط الزند” . في هذه المشهد إحساس قوي بالحياة أيضاً ولكنها الحياة المكرسة للعنف والقتل . إنها أغنية من نوع مختلف يحذر منها شاعر ناسك مثل الياباني ماتسو باشو تلميذه، فيشدّد على أن قتل اليعسوب في قصيدة ليس شعراً، الشعر بتعبيره، هو أن تمنح اليعسوب نسمة الحياة . فما بالك بالشعر الذي يحتفي بقتل الإنسان؟


هنا ننتقل إلى الموقف . فبعد أن يتخطى القارئ العتبة، وتتوارد على ذهنه مئات بل وآلاف الاحتمالات، ويمثل أمام ذهنه الممكن الذي لا بد أن يتمثل في نهاية المطاف، سنجد أنفسنا بين خيارين، فإما أن نكون إلى جانب جماليات تجعل الأبيات تختنق برائحة الدماء وأنين القتلى والرؤوس المقطوعة، أو أن نكون إلى جانب جماليات تعبق أبياتها بالحياة النقية نقاء حديقة غسل أشجارها المطر تحت ضوء يبزغ رقيقا من وراء السحب .


* * *


الأشياءُ في الشعر ليست محايدة حتى إن قرّر الشاعرُ أن يقف وسط أبيات لاتتساقط منها وعليها سوى أصوات كلمات على الورق . اللاتحدّد هو سمة جوهرية حين تغيّر الكلمات طبائعها، أو تنزاح عن مسارها المعتاد بتعبيرالنقاد المحدثين . واللاتحدّد يعني الالتباس دائماً، ويعني فضائله أيضاً، الخروج من الثابت والمستقر، والخروج من الاعتياد والمكرور، إلى فضاء تتأرّج فيه الأجواءُ في كل الجهات من دون أن يكون حتى الشاعر نفسه واعياً بمصدر الأريج . لعلني هنا أبالغ بهذه اللفظة، وأرفعها إلى مستوى القانون الشعري الجديد . ولكن الحقيقة أنني لاأقول إلا قولاً شائعاً إلى حد ما، أنا هنا أشير إلى التيار الموجيّ الذي يسري بين الكلماتِ فيمازج بين جوانب احتمالات الدلالة فيها ما إن تندرج في سطور، فتتغير وتغير من طبيعتها بالتبادل . قبل أن تندرج الكلماتُ في سطور، تكون لها شخصيتها المعجمية المستقلة التي نجمع عليها، أو الجانب الثابت من شخصيتها، ولكن ما إن تتقارب وتتلامس في جمل حتى ينشأ بينها ذلك التيار الذي ينقلها إلى مقام أعلى، إلى معنى المعنى إن شئتم أو إلى جو من العبق يتوقف فيه الكلام عن أن يكون كلاماً، ويتحول إلى نوع من السحر الذي لا تفسير له .


الأشياءُ ليست محايدة ولا أسماؤها أيضاً . إنها تمنح الشاعر ممكناتٍ لا نهاية لها، ويمنح الشاعر من جانبه قارئه هذه الممكنات . فيقول مالك حداد حين يسمع الشاعر الفرنسي: “كانت أبياته تعبق بأريج حبق الفتى”، وتقول القارئة المجهولة: “أليست هذه هي فلسطين؟” .

طباعــــة

إرســال

أضـف تعليــق

أخبار متعلقـــة

  
 

أضــف تعليـــق

عنوان التعليق
الاسم
البريد
تعليق
 

  تعليـــق

 بقية المواضيع

 
 

  النشرة الدوريــة

   دليــل المدينة

  حالة الطقس

  مؤسسة تريم عمران للأعمال الثقافية والإنسانية

البريد
 

جائزة تريم عمران للصحافة

•مركز تريم عمران للتدريب والتطوير الإعلامي

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر © 2008