الخليج الثقافي
في مديح أسطورة الكتابة
الورقة وردة الأبدية آخر تحديث:السبت ,13/03/2010
عبد العزيز جاسم

1/1


بينما أنا أتمعن في ورقة الكتابة البيضاء، وفي جو الإنارة الخافتة تلك، انتابني شعور مبعثه بأن ثمة نيّة مبيتة في انتظاري . وبأن الورقة الوديعة هذه قد بدت تكشر عن أنيابها لي؛ بحيث لم أعد أميز حقاً، إن كانت هي ورقة بالفعل، أم أنها روح ضالة جاءت من العدم واستلقت على طاولتي . نور شفيف بدا يشع من تلك الصفحة . نور فريد وغامض يشبه التماعات خيوط القمر على جدران الكهوف القديمة . ولقد أحسست بأن هذه الورقة ذاتها، عازمة على جرجرتي إلى عمق أعماقها، هناك، حيث أهبط مثل مسافر يدخل بلدة أسطورية ويتبدى اللاموجود سعيداً في منفاه، أمامي . ولقد اعتقدت بأن الورقة الأشف من قطرةٍ والأرقّ من قُبْلةٍ، والتي تبدو لا حول ولا قوة لها، بإمكانها، وفي لحظة ما، أن تصبح شعلةً، أو أقيانوساً، أو قطعة من الحجر الأملس: صلبة، ومتحدية، ويمكن وضع العالم برمته فوقها .


 “الصفحة البيضاء، هذا القفر الكبير الواجب اجتيازه، والذي لا نجتازه أبداً”


         (غاستون باشلار)


- 1 -


الورقة عارية هكذا، تكون مصدر إغواء وتحدٍّ أولي، بالنسبة للكاتب . أما وبعد أن تُحَمّل بنصها، أي بالكتابة، فإنها  حينئذ  تصير أثقل من الثِّقل نفسه . إذْ أن هذا الثِّقَل نفسه (النص)، وبما أنه اعتمد القرطاس كحافظة له، فإنه  ومن حيث لا يعلم  قد ربط مصير القرطاس بمصيره؛ بحيث أصبح المصير المشترك الواحد هو الذي يجمعهما؛ وربما إلى الأبد أيضاً . وبما أن الكاتب هو مؤلف هذا النص، وهو المتحكم في هذه المصائر جملة وتفصيلا، بل وبما أنه المسؤول الأول عن رداءة أو جودة ما يخلف وراءه من أثر أدبي . فإن الورقة هنا لا تكتسب قيمتها وشعشعانيتها وثقلها، إلاّ من عمق وجدارة وإدراك الكاتب الحقيقي، لتلك العلاقة التي تجمع بين أقطاب الجهاز الكتابي الأربعة، الذي تتشكل منه أي كتابة في الأصل . وأنا أقصد هنا: الورقة، والقلم(حتّى ولو كان قلماً الكترونياً)، والنص المكتوب، والكاتب؛ تماماً كما يتملى الفيلسوف حقيقة عناصر الوجود الأربعة: النار، والهواء، والماء، والتراب .


- 2 -


إذن في مفترق المصائر هذا، تبدو الورقة كما لو أنها تعرضت للاستلاب، أو الإذلال، أو العبودية من قِبَل الكاتب، حين اعتبرها مجرد حامل للكتابة فحسب، وليس باعتبارها شريكاً أساسياً في عملية الكتابة برمتها . ولعل من نتائج هذه الشراكة مثلاً، أن اهتم الورّاق العربي القديم بتحسين خطه في نسخه للنصوص، الأمر الذي نشأ عنه فن الخط العربي، بعد ذلك . فالخط العربي، كما يقول الكسندر ستيبشفيتش، بالنسبة للعرب ليس مجرد نظام عملي للحروف التي تعبر عن الأفكار، بل هو أكثر من ذلك بكثير . وأن الخط العربي نفسه، وهو الذي كتب به الكتاب المقدس للمسلمين “القرآن” وغيره من الكتب، مقدس في حدّ ذاته وله مغزى ديني ورمزي عميق” . لذا فإذا كانت الرِّقاع والأضلاع، أي الجلود والعظام وجريد النّخل والحجارة الرقاق البيض، هي التي كانت تحل محل ورقة الكتابة قديماً، ثم تلاها اكتشاف الكاغد (القرطاس) في نهاية القرن الثاني للهجرة، فلنا إذاً أن نتخيل الحياة التطورية التي عاشتها هذه المادة التي نكتب عليها الآن .


- 3 -


وصحيح مثلاً، أن حركة الورقة في المطلق، هي اتكالية بحتة . إذْ أنها تعتمد على الكاتب في ملئها دوماً، كما أنها تعتمد على الغير في تنقلها وحملها من مكان إلى مكان . فهي بلا أياد أو سيقان، لا تعرف المشي أو الركض، ولا تلمس الأشياء كما نلمسها نحن . إنها تعرف فقط، أن تضم وتحوي وتكشف وترسل ذبذبات خفية، ثم تطير متنقلة تحت أي سماء كانت .


ولكن، لنحذر أيضاً، فهي ليست اتكالية مريضة أو مستلبة، كما يفهمها ويروج لها استهلاكياً كُتّاب الدرجة العاشرة، لأنها في العمق هي اتكالية علاقة متجاذبة، وتكاملية، وذات وشائج مترابطة . إن قرابة الدّم هي التي تجمع بين الكاتب وأوراقه، تماماً مثلما تُرْبَط الحواس الخمس بالجسد . إن حركة اندماج وتوحد عارمة ودفينة وذات ظلال صوفية تنفتح على كل الأبعاد، هي التي تجمع بين هذه العناصر الأربعة . ولعل الكاتب الخلاّق والحقيقي، يعلم بأن إصبعاً جديداً قد نمى في كفّه، وبأن جسده هو مختبر كل التيارات والتوترات المعرفية والمتخيلة، وبأن الأوراق قد تكون أم الأرواح والأسرار كلها .


- 4 -


لذا فإن الحبر السائل مثلاً، وهو يجري على سطح الورقة، ثم حين يتغلغل في نسيجها كما يتغلغل الماء في قطعة من الحرير أو في قطعة أرض بكر، فإنه بالفعلة هذه يقوم بعملية إرواء مشابهة لتلك التي يقوم بها الفلاح في الحقل . إن قطرة الحبر الواحدة، وهي تتشرب بذلك السطح الناصع والنقي في لحظة الكتابة، تعني بأن هنا، وفي هذا المكان تحديداً، ثمة كلمة / شجرة غُرست واتخذت وضعها الذي تستحقه إلى الأبد . أليست الكلمة إذاً شجرة، والعبارة هي غابة من الأشجار أيضاً . فإذا كان القلم ذلك الضرع السيّال دوماً، هو حارث الحقل أنثروبولوجياً؛ فإن الورقة  ساعتئذ  هي وردة الأبدية الذهبية بامتياز .


- 5 -


إن نوعاً من التآخي والاندماج اللصيق والصامت إذاً، هو ما يتم بين هذه العناصر الأربعة: الفاعل، والمفعول به، والحامل، والمحمول؛ أي بين الكاتب، وقلمه، وأوراقه، ونصه المكتوب . إن حالة من الذوبان القصوى، هي ما تتم في ما بينهم . إنها حالة العشق، والتواصل، والاشتهاء، والشغف، والتوحد الكبرى . فالحالة هذه تعبر في جوهرها، عن روحانية خالصة، تطهريّة ومحرّرة في الوقت نفسه . أضف، إلى أن شروط التعاقد الأولى، الذي وفّق بين هذه العناصر، كان - منذ البدء  محفوفاً بالمخاطرة والسرانية، في مواجهة للمجهول في أقصى تجلياته عنفاً وبطشاً وغموضاً .


لذا فالكاتب الذي وصل إلى هذا المستوى من التفكير، يعلم بأن الكتابة خطيرة جداً، بل هي الخطر بعينه . لأنها أشبه بالمشي في حقل مزروع بالألغام، وقابل للانفجار في أي لحظة . فهي في خطها التصاعدي تزعزع المسلمات والبديهيات، وتحرك الحجر الصوان، وتتسلل إلى أغوار الوجود، وتضيء النفق المظلم الذي تعيش فيه إنسانيتنا المعذبة . ولكنها أيضاً، قد تكون مصدراً للفرح والبهجة المنتظرة دوماً .


- 6 -


هكذا مثلاً، وفي سيرها التاريخي الدؤوب والمتمرد والحر، ظلت الكتابة تثير غضب الطغاة والسلاطين والغزاة، منذ فجر الكتابة وحتى اليوم، دافعة إياهم - وبهوس مجنون أحياناً - إلى حرق الكتب، وطمسها، ومصادرتها من الأسواق، ثم نفي أو سجن أو تهميش أصحابها، أو إرسالهم إلى ما وراء الشمس .


فالكتابة، بهذا الشكل، تصبح جلاّبة لعنات وعداوات وطعنات، وليست مصدر سعادة كلية كما يُعتقد . فالكاتب “التجاوزي” عندما يشعر بهذه السعادة النسبية تغمره، فإنه يكون في أوجّ احتراقه الذهني والروحي والجسدي معاً . إذْ لا يمكنه أبداً وفي الأساس، أن يفرح أو يسعد أو يشعر بهذا الابتهاج المفترض، إلاّ وهو يعمل في وسط ذلك الجحيم الكوني الذي يحيط بكيانه وعوالمه، في تلك الساعات من العزلة والوحدة والصمت الثقيل؛ حيث تتكشف الخوابي وتظهر أمامه بغتة . إن كل عمل كتابي جديد للكاتب، هو ليس بداية رحلة بل هو مواصلة رحلة لن تنتهي إلاّ بهجره الكتابة أو بموته . فالكاتب وعندما يتأكد بأنه قد أصبح كاتباً، فإنه ينطلق في رحلة أسطورية تشبه رحلة سيزيف، وحي بن يقظان، والسندباد البحري، ودون كيشوت، وجلجامش، معاً . أليست الكتابة سفر دائم، والكاتب مسافر رحال يجوب الآفاق والأصقاع والأقاليم، ولا يتوقف إلا ليتزود بوقود الرحلة القادمة .


- 7 -


إذن لم تكن ورقة الكتابة، هذا البدن اللّين والرهيف والمطواع، سوى تلك الحافظة الذّهبية التي تشبه الصدر الكبير والواسع، وهي تقوم بدورها الافتدائي العظيم في حفظ تقلبات الكاتب والكتابة والناس والعالم . ولعلها في حفظها لكل هذه الوحدات مجتمعة، وفي احتوائها الكامل والأنثوي لها، يكمن معنى دفئها وصلابتها وتحديها ولمعانها كدرع  مضاد للرصاص . فبما أن الكتابة تهتم بأنسنة العالم بالكلمات: تصقله، تشيع النور في خوابيه، وتبحر سرمدية في المستحيل؛ فإن الورقة أيضاً، تقوم بحفظ الكتابة ذاتها وتمنع عنها زوابع النّسيان والتحريف والموت والتآكل، إلاّ - بالطبع - إذا وقعت في يد غير أمينة، فإنها تتعرض لخطر ماحق بلا شك . وهنا بالضبط، يأتي دور القارئ الحصيف والحريص في تعامله مع الورق، وذلك بأن “يستخدمه بحذر وعناية، ويحرص، على الخصوص، أن لا يعيره أو يعرضه لطمع الغير”، كما يؤكد عبد الفتاح كليطو.


- 8 -


ولكن، ما هي ماهية الورقة؟


في لسان العرب لابن منظور، يقول أبوحنيفة في تعريفه لها: “الورق كلُّ ما تَبَسَّط تَبَسطّاً، وكان له عَيْر في وسطه تنتشر عنه حاشيتاه” . وبما أن “عَيْر الورقة” يعني: الخط الذي في وسطها؛ فإن تعريفه هذا، يكشف لنا أيضاً سراً خافياً يوضح لنا الآتي:


إن الورقة (وهو يقصد ورقة الكتابة)، المنشورة والمنبسطة تلك، يقسمها من حيث شكلها الهندسي إلى أقسام مختلفة: قسم علوي يحتضن النص المكتوب، وقسم سفلي وجانبي يستوعب الحاشية وحدها . أي أن الكتابة في عُرف أبي حنيفة، وكما كانت تتداول في عصره، كانت مقرونة بحاشيتها في الأصل؛ بحيث لا يمكن للنص مثلاً، أن يستقيم ويصمد إلاّ إذا استخدمت تلك المناطق الهامشية، لأمور الإيضاح والتبسيط والمفاهمة، لهذا نجد بعض النصوص العربية المنسوخة على النمط القديم، كالرسالة القشيريّة مثلاً، تتجاوز حاشيتها المنطقة السفلى وحدها، لتنتشر على جانبي النص أيضاً . وذلك على شكل تكوينات حروفية، تحيط بالنص كثوبٍ مرقشٍ بالكلمات والشروحات . إن الحاشية السفلى والجانبية التي تحيط بالنص القديم، والتي أفضل تسميتها بالحاشية الانتشارية، تشبه إلى حدٍّ بعيدٍ الغِمْد الذي يحتفظ بالسَّيف في داخله، أو بالحاشية التي تحيط بالسُلطَّان لحظة حضوره . وهكذا، لا يُعرف السَّيف إلاّ بغمده، ولا السُلطَّان إلاّ بحاشيته . ولكن هذه التناصفية الكتابية، بين نص وهامش، تحيلنا أيضاً إلى ثنائيات متقابلة ومتعددة، من مثل: السُلطَّان والحاشية، والمركز والأطراف، والرأس والجذع، والوجه والقفا، والأعلى والأسفل . وكأني بأبي حنيفة يرمي من وراء تعريفه هذا، إلى ترسية ترسيمة تشريحية  مانوية في جوهرها- فوق مسطح ورقة الكتابة العربية . إنها نظرة ارستقراطية، فوقية، متعالية، لفضاء هذه الورقة أو لمفهوم الكتابة نفسها، تشبه علاقة السيد بالعبد . لأن علاقة النص بالحاشية، كما يظهر في هذا الطرح الكلاسيكي، من وراء هذا التقسيم الذي يشبه التقسيم الطبقي بين فئات المجتمع، أراد أن يبين لنا بأن هناك  وعلى الورقة تحديداً  ثمة مناطق وطبقات عدة تشترك في ما بينها على ذلك السطح: مظلمة ومسفرة، حارة وباردة، علوية وسفلية، وثمة خيط رفيع يربط ويفصل ما بينهما .


حسناً !ولكن، في رأيي، يعتري هذا التعريف الكثير من العيوب القاتلة، والتي تهدده فعلاً بعدم اعتماده كتعريف شامل لورقة الكتابة في الأصل . فالنص الكتابي على سبيل المثال، غير ملزم بالضرورة بحاشيته السفلية، كما أن تقسيمه الهندسي للورقة إلى قسمين منفصلين وحسب، يأتي من باب أحادية النظر وضيق الأفق . لأن أشكال الكتابة مختلفة ومتعددة ومتباينة في ما بينها؛ بل أنها أشبه بعملية تناسخ للأرواح مستمرة ولا تتوقف أبداً . أضف، إلى أن مفهوم (الحاشية)، الذي كان مصدر اعتزاز وثقل وتمسك عند صاحبنا، قد يصح مثلاً في كتابة البحث أو الدراسة أو المقالة؛ إلاّ أنه في أشكال الكتابة الأخرى، وبخاصة الأدبية منها، فقد تبدلت هذه المعادلة مفاهيمياً في الشكل والمضمون، ولم تعد كما كانت عليه في السابق . لقد أصبحت الحاشية نصاً في النص، مثلما نقول حكاية في الحكاية أو مسرحية في المسرحية، كما نظَّر لها جاك دريدا، أو كما استخدمها أدونيس مثلاً في كتابه “الكتاب: أمس المكان الآن”، ولم تعد تستخدم كموضع للإشارات والأرقام فحسب .


- 9 -


إن شرح كل هذه الأسباب مجتمعة، يطول وقد يخرجنا عن موضوعنا الأساسي، ولكنني من ناحية أخرى، ناحية جد صميمة ومتعلقة بالسياق ذاته، أجد في حكاية الأصمعي التي أوردها ابن منظور، مثالاً قوياً على عمق تلك العلاقة التي تربط الكاتب بأوراقه . فالأصمعي حين جدع أنفه “اتخذ أنفاً من ورق”، والورق الذي استخدمه بدل أنفه هو “الرّق الذي يكتب فيه” . ولعل في تصرف الأصمعي هذا، كما يبدو، الشيء الكثير من الإثارة والغرابة والعجب . الورقة إذاً ليست “كل ما تبسّط تبسطاً” فحسب، بل ها هي تلوى وتثبت وتصبح أنفاً كذلك، كما أنها لا تستخدم حكراً على الكتابة وحدها، بل بإمكانها أن تحل محل عضو مبتور أيضاً كالأنف الورقي للأصمعي مثلاً . إن الورقة في تجربة الأصمعي، تصير جزءاً من الجسد والكتابة معاً . إنها في النسيج المعقد ذاته، وليست شيئاً طارئاً أو خارجاً عنه .


- 10 -


وتماماً، مثلما فعل الأصمعي من قبل، قام نيتشه أيضاً باستبدال اليد الكاتبة بالقدم الكاتبة:


أنا لا أكتب باليد


قدمي هي الأخرى تريد أن تكتب


حازمة وحرة وجسورة


تشرع في الجري مرة عبر الحقول


ومرة عبر الورق .


إلاّ أن استبدال نيتشه هذا، هو نوع من استبدال عضو كتابي بآخر مهجور ومهمش ومعافى (القدم)، وليس كما هو واضح في صنيع الأصمعي الذي استبدل أنفه المجدوع بورقة الكتابة . إن ما يجمع بين نيتشه والأصمعي، هو فعل الاستبدال ذاته، وفي نفس الحقل أيضاً: الكتابة . بيد أن الأصمعي بفعلته تلك، أراد أن يستر عيباً مفرطاً في البشاعة والقبح، ألَمَ به وآذاه في الصميم . لأن تصور شخص يعيش بلا أنف، مأساة بحد ذاته ومدعاة للضحك والسخرية والتهريج .


وبما أن الأصمعي ينطوي على إرادة حديدية وصلبة، تبدو أكثر قوة من نيتشه في هذا الموضع . لأنه كان بإمكانه مثلاً أن يضع لثاماً على وجهه، بدل ذلك الأنف الكرتوني الجالب للفضيحة والسخرية معاً، إلاّ أنه أصر على وضع تلك الورقة الشهيرة، مواجهاً الناس والعالم وساتراً  رغم شكّنا في ذلك  عيبه الدامي، بأداة أساسية للكتابة . ولكن هل كان الأصمعي بفعلته تلك، يحاول التفوق على نفسه، أم أنه كان منحازاً كل الانحياز للكتابة، بحيث لم يعد يفرق أو يفصل بين الورقة التي يكتب عليها وأنفه المقطوع؟ ثم ماذا نقول، لو أن الأصمعي كان يكتب على الورقة التي يضعها بدل أنفه المبتور؟ هل نقول إن الأصمعي، قد أصبح هو الكاتب الوحيد في العالم الذي جعل من أنفه البديل نصاً، يمكن قراءته، وخلعه، واستبداله، في كل مرة يهترئ فيها أنفه الورقي؟ أو هل نقول: إن الأصمعي اتخذ من أنفه الورقي، وسيلة لنشر كتاباته؟ هذا احتمال يصعب التكهن به!


- 11 -


أراد نيتشه بإبداله القدم محل اليد الكاتبة، أن يصل إلى حقيقة مفادها: أن الجسد كله يصلح للكتابة، وليس اليد وحدها، بل أن الجسد هو مصدر الكتابة ذاتها . وذلك من خلال ما يختزله من علامات، ورموز، ودلالات، على مدار حياة الكاتب المعاشة . لقد تطلع نيتشه إلى تحرير الكاتب من عبودية العضو الواحد، داعياً إياه إلى توطيد علاقته بجسده أولاً، ثم الكف  بالتالي  عن اعتبار الجسد مجرد قبر أو سلعة تباع  وتشترى . إن الجسد الإنساني، وكما عبر( مرلو بونتي) مرة، “هو ما يجعلني أتجذر في العالم، بل هو محور العالم الذي أعيه بواسطته” .


إن هذه الحقيقة الفلسفية الكبرى، يجهلها  للأسف  الكثير من الكتّاب، الذين يجلسون أمام ورقة الكتابة كبضائع معلبة أو كناسخين رديئين في مكاتب للطباعة . لأن الورقة تفترض في صاحبها أن يعمل على اجتيازها دوماً، وأن يضرب في أصقاعها عميقاً، وأن يخترق جسدها المفتوح والرحب والمحتجب في سديم العدم . إن هذا الأمر بالضرورة لن يتم، إلاّ إذا استطاع الكاتب  في اللحظة تلك  أن يحرر جسده هو أولاً من الأوثان القديمة التي تعيقه، بحيث يتسنى للحواس وللنواميس والأحلام أن تطلع من شرنقتها الحبيسة من تحت الوسائد، وضّاءة وثرية ومشبعة بالدلالات . لأن الورقة تحتاج إلى ساحر بألف عين وشكل يحررها، ولا تحتاج إلى أحافير سائلة تمشي على الأرض مرحى .


- 12 -


هكذا، مثلاً، يصبح الجسد عائقاً أمام الكتابة، فينحدر الكاتب وتنحدر الكتابة معه . ولعل ما حققته العلوم الإنسانية من تطور على صعيد فهم وتفكيك رمزية الجسد، من خلال البحوث والدراسات العلمية والفكرية المعمقة، فتحت المجال واسعاً لتعدد الخطابات وتنوعها، بحيث أصبح الجسد الإنساني اليوم، محور كل الظواهر التي تعبر عن إنسانية الإنسان، كيف وأينما وجد . لهذا ليس مستغرباً، أن يسمى هذا العصر بعصر الجسد .


بهذه الطريقة إذاً، يصبح جسد الكاتب عائقاً أمام الكتابة، فينحدر الكاتب وتنحدر الكتابة معه . وهكذا أيضاً، يضرب جسد الكاتب موعداً مع الورقة، مع وردة الأبدية، مع أسطورة الكتابة، كعاشق فعلي وليس كعدو جاهل، فيصبح اللقاء ما بينهما مثمراً وأبدياً.

طباعــــة

إرســال

أضـف تعليــق

أخبار متعلقـــة

  
 

أضــف تعليـــق

عنوان التعليق
الاسم
البريد
تعليق
 

  تعليـــق

 بقية المواضيع

 
 

  النشرة الدوريــة

   دليــل المدينة

  حالة الطقس

  مؤسسة تريم عمران للأعمال الثقافية والإنسانية

البريد
 

جائزة تريم عمران للصحافة

•مركز تريم عمران للتدريب والتطوير الإعلامي

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر © 2008