رأي ودراسات

البحـــث

    
اليوم، غداً
يسقط “الأنا” آخر تحديث:الأربعاء ,08/09/2010

سعد محيو

إيكهارت تول (في كتابه “أرض جديدة” الذي أشرنا إليه بالأمس) يعتبر أن ثمة وباء يجتاح كوكب الأرض اسمه التعاسة، والسلبية، وفقدان السعادة . وهو وباء يجعل كل البشر، أو الكثرة الساحقة منهم، تعيش في جهنم داخلية حقيقية على الأرض، وفي حالة حروب دائمة بين بعضها بعضاً .


المسؤول الأول والأخير عن نشر هذا الوباء هو “الأنا” البشرية (Ego)، التي يعرّفها المؤلف بأنها ذلك الصوت الداخلي في العقل والتي تُحرّك فينا انفعالات الحقد والكراهية والغضب والأنانية وأساساً الخوف .


الخوف مِمَّ؟


من الموت، من اللاوجود، من أن نكون لا أحد . الخوف أيضاً من المرض والكهولة وخسارة الوظيفة أو العمل أو الثروة أو المكانة الاجتماعية .


هذه الأنا الأنانية التي تُسيطر على الإنسان في معظم مراحل حياته لا تعتاش ولا تتغذى سوى على الألم والتعاسة، ولذلك فهي تثير فينا بشكل دائم الشعور بالخوف أو اللاأمن، وفي المقلب الآخر الغضب وحتى العنف .


لقد اعتاد الفلاسفة والمناطقة التمييز بين العقل والغريزة، فخصّوا الأول بالوعي والإدراك والثاني باللاوعي والانفعالات . وعلى الرغم من أن تول لا يرفض هذا التمييز، إلا أنه يلفت إلى أن الأنا الأنانية تسيطر على كل من العقل والغريزة، وعلى الوعي واللاوعي معاً، وتصبح هي الحاكم بأمره الذي يوجهنا كما نشاء من دون أن ندري .


وهذا الأمر يمكن استشفافه بسرعة حين نراقب كيف نفكّر، وبماذا نفكّر، في لحظة ما، خاصة في المراحل الانفعالية، حيث تُجبرنا الأنا على اجترار حادث مؤلم حدث لنا ربما قبل عشرات السنين، وهكذا نجد أنفسنا ندور في حلقة من الأحقاد والكراهية والعذاب لا نهاية لها .


الأنا تُسيطر علينا عبر أحد طريقين: إما بث الحياة دوماً بالماضي الذي ربما شهد حوادث أو تطورات مؤلمة لنا، كخيانة صديق أو موت عزيز أو صدمات عاطفية في الطفولة تركت ندوباً عميقة في أنفسنا، أو من خلال تحريك نزعة الشعور باللاأمن لدفعنا إلى العمل المضني طوال حياتنا لتوفير ما يكفي للرد على هذا الشعور القاتل، فتُصبح كل أيامنا رهناً بمستقبل لا (ولن) نعيشه في الحاضر .


ثمة هنا واقعة لطيفة عن استراتيجية الأنا هذه .


تانزان وإيدكو راهبان بوذيان كانا يسيران في طرق جبلية وعرة تعج بالوحول بسبب الأمطار الغزيرة، وحين اقتربا من إحدى القرى، شاهدا امرأة شابة تحاول قطع الطريق، لكنها لا تستطيع بسبب الوحول، فعمد تانزان، وهو معلّم إيدكو، إلى حملها على ظهره ونقلها إلى الضفة الأخرى . بعد خمس ساعات من هذا التطور، لم يستطع التلميذ كبح جماح نفسه، فانفجر صائحاً بالمعلم: “لماذا حملت المرأة على ظهرك؟ يُفترض بنا نحن الرهبان ألا نقترب من النساء” . فابتسم تانزان وردّ بهدوء: “لقد أنزلت الفتاة عن ظهري قبل ساعات طويلة، فلماذا أنت مازلت تحملها؟” .


الآن، تخيّلوا أي حياة نعيشها جميعاً ونحن نراكم كل هذه الأفكار والذكريات السلبية ونرفض أن نطوي صفحتها . إننا نجتر الألم مراراً وتكراراً إلى ما لا نهاية، وهذا بالتحديد ما يفعله ستة مليارات من البشر يعيشون على هذه الأرض . إنهم يرخون الزمام للأنا الأنانية، فتقوم هذه الأخيرة بتوليد مشاعر الحقد والألم التي تتغذى من مزيد من الحقد والألم .


بيد أن هذه الدراما الإنسانية قد تكون لها نهاية، ونهاية سعيدة أيضاً .


 


saad-mehio@hotmail.com

طباعــــة

إرســال

أضـف تعليــق

أضــف تعليـــق

عنوان التعليق
الاسم
البريد
تعليق
 

  تعليـــق

كم هو جميل

نعيمة السماك

التاريخ : 13-09-10 | الساعـة 06:51 م

أسلوب شيق وجميل ، وذا معان فائقة كم نحتاج لمثل هذه المقالات والأفكار لمقاومة الشر والحقد والحسد وبث السلام الداخلي

 

  آخر مقالات للكاتب

14/03/2011
إصلاح المخابرات لا تدميرها

13/03/2011
سر "الثالوث الحاكم"

12/03/2011
"إمبراطورية المخابرات" ترد بعنف

10/03/2011
هي صانعة التاريخ

09/03/2011
"الأيادي الخفية"

 
 

  النشرة الدوريــة

   دليــل المدينة

  حالة الطقس

  مؤسسة تريم عمران للأعمال الثقافية والإنسانية

البريد
 

جائزة تريم عمران للصحافة

•مركز تريم عمران للتدريب والتطوير الإعلامي

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر © 2008