رأي ودراسات

البحـــث

    
حكاية ثقافة ماتت آخر تحديث:الخميس ,09/09/2010

جميل مطر

بتنادون لعقد مؤتمر للمثقفين يناقش حال الثقافة ومستقبلها في بلادنا . ويتنادى آخرون لعقد مؤتمر مستقل . يخشون أن ينتهي مؤتمر الحكوميين إلى توصيات أو قرارات تعمّق حال الانحدار في ثقافتنا وتعجل بموتها . لا تعنيني تفاصيل الخلاف الناشب بين هؤلاء وأولئك بقدر ما تعنيني أوجه الاختلاف في رؤية كل فريق لمستقبل هذه الثقافة ومدى استعداد هذه الأمة وبخاصة نخبها المثقفة لتقبل ثقافات بديلة، هي بالفعل معروضة عليهم وجار  الآن الترويج لها . أتوقع مثل كثيرين أن نسمع في أحد المؤتمرات أصواتاً تحذر من خطورة الوضع الذي تدهورت إليه معظم مكونات الثقافة المصرية .


نعرف أن الثقافات تنتعش وتذبل وتتآكل بل وتفنى . ونعرف أيضاً أن الثقافات تصعد وتهبط مع صعود الأمم وهبوطها وتفنى إن انفرط عقد الأمة التي تحملها . وعندما تموت الثقافة يفقد الناس معنى وجودهم، وإن هم فقدوا معنى وجودهم ماتت الأمة .


تذكرت وأنا اقرأ عن الخلافات بين المثقفين حول عقد مؤتمر للثقافة المصرية، أنني قرأت منذ سنوات كتاباً صدر في أمريكا وتعليقات عليه، وكتبت عنه وقتها في صحيفة “الدستور” القاهرية تحت عنوان “قصة شعب ماتت ثقافته”، وأود أن أنتهز فرصة النقاش الدائر حول أسباب انهيار الثقافة المصرية، لأستأذن الأستاذ إبراهيم عيسى في أن أقتبس أفكاراً وردت في المقالات التي تفضل ونشرها لي . كان الكتاب بعنوان “الأمل الراديكالي” ونبهتني إليه كعادتها منذ أن تعرفت إليها مجلة “نيويورك ريفيو أوف بوكس” . ويحكي الكتاب والعرض الذي نشرته المجلة تفاصيل عن قصة موت ثقافة كما رواها شيخ معمر ينتمي إلى قبيلة الغراب، وهي إحدى قبائل شعب من شعوب الهنود الحمر التي عاشت في الأمريكتين قبل وصول المستعمرين الأوروبيين وقاومتهم قدر استطاعتها .


تبدأ قصة موت ثقافة شعب الغراب بقرار اتخذته حكومة الولايات المتحدة يقضي بحرمان رجال هذه القبيلة من ممارسة الصيد، مهنتهم الوحيدة التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم، ونقلهم بالقوة ليعيشوا على أرض بعيدة عن أرضهم . أرض لا يعيش فيها طير أو حيوان يغري أفراد القبيلة بالعودة إلى ممارسة الصيد . كان خبراء واشنطن يعرفون أنك إذا حرمت شعباً ورث مهنة من ممارستها، فأنت تفرض عليه التخلي عن تقاليد معينة تتعلق بالزواج والإنجاب وتطلب منه التنكر لأخلاق وقيم وتراث والالتزام بأخلاق وقيم و”بدع” جديدة .


يصف الشيخ حالة شعبه وهو يعيش آخر أيام ثقافته في كلمات معدودة ولكن عميقة المعنى . قال “عندما رحل الجاموس، وقعت قلوب شعبي على الأرض، ولم يتمكن الشعب من رفعها . . وبعد ذلك لم يحدث شيء” توقفت طويلاً أمام عبارة “وبعدها لم يحدث شيء” . هل يقصد الشيخ أن الناس وقد كادت تفقد ثقافتها وتراها تموت أمام أعينها، أصابها الانحلال والاكتئاب فلم تعد تقوى على فعل شيء، أم أصابها الشعور بانعدام القيمة والجدوى . لقد تعمدت حكومة الرجل الأبيض في واشنطن حرمان هذا الشعب، مثلما حرمت من قبله شعوباً هندية أخرى من الشيء الوحيد الذي كان يتميز به ويفخر ويعيش من أجله، وهو منظومته “الثقافية” .


يحكى الشيخ عن بلاده قبل أن يقرر الرجل الأبيض قتل ثقافتها فيقول “هناك على الحدود كانت تقف العصيّ مغروسة في الأرض، كل عصا منها تمثل فرداً من أفراد العدو وقع قتيلاً أو حيواناً جرى صيده . هناك عند آخر صف في صفوف العصيّ المغروسة كانت حدودنا، وكان يتعين على الشعب فرداً فرداً التضحية بالروح والدم لحماية هذه العصا ومنع الغرباء من انتزاعها وتقليص عددها . وبناء على الأوامر الفدرالية الصادرة من واشنطن توقف الصيد . وعندما توقف الصيد توقف الالتزام بالأرض وبالقيم والأخلاق المرتبطة بمهنة الصيد، واهتز إيمان الناس بآلهتهم . اختفت الاحتفالات بالنصر حين امتنع الشعب عن حماية حدوده وأرضه وجواميسه، واختفت حين توقف الشعب عن الخروج إلى الحدود في المناسبات الدينية والاجتماعية ليحصي كباره وصغاره العصي التي أضيفت بين موسمين في منطقة الحدود . يخرج الشعب عن بكرة أبيه ليطمئن إلى أن أرضه إتسعت ولم تنكمش . كانت العصيّ الجديدة دليل ازدهار ثقافة شعب الغراب ورضاء الآلهة . نفذت القبيلة أوامر حكومة الرجل الأبيض . . فلا صيد ولا مقاومة ولا عصيّ جديدة وسقطت على الأرض العصيّ الموروثة، غابت الرغبة في التضحية . اكتشف الناس أن لا شيء بعد انفراط الثقافة يستحق التضحية، ولا شيء يحدث يستحق الفخر به، الرياح تقصف العصي . . والحدود تتآكل” .


عدت بالذاكرة، وأنا اقرأ العرض ثم الكتاب، إلى أيام الغزو الإسباني، حين شنت على شعوب أمريكا الوسطى والجنوبية واحدة من أبشع حروب الإبادة في تاريخ الإنسانية، ولم تتحرك أمم الهنود الحمر في أمريكا الشمالية لتتحد وتدافع عن شعوب أخرى من الهنود الحمر تتعرض للإبادة . أبيد ملايين الناس، وبعد عقود ليست كثيرة وصل أوروبيون آخرون وشنوا حروب إبادة أخرى، وبعدها . . “لم يحدث شيء يذكر” . حتى هؤلاء الذين أفلتوا من الإبادة، عاشوا على هامش حياة غير حياتهم وثقافة غير ثقافتهم .


يتفق عارض الكتاب مع مؤلفه على أن الفرد في قبيلة الغراب الذي حرمته واشنطن من الخروج إلى الصيد، اكتشف بين ليلة وضحاها أنه لم يعد يصلح زوجاً أو أباً، لم يعد يعرف كيف يتعامل مع امرأته وأولاده، بعد أن نزعوا سلاحه وحرموه من مهنته . . انزوى جانباً كل فرد في القبيلة ليسأل نفسه “ما قيمة الحياة لإنسان فقد معنى وجوده” . يقول شارل تايلور في عرضه للكتاب إنه من خلال بحث طويل قام به عرف أن الشعوب حين تموت ثقافتها أو تقترب من نهايتها “يمتنع أطفالها، عن الذهاب إلى المدارس وتنتشر الخلاعة ولعب الميسر”، وينقل عن امرأة من قبيلة ماتت ثقافتها قولها “أحيا حياة لا أفهمها” .


وجدت في قصة قبيلة الغراب ما يذكرني ببعض حال أمتنا . المغزى وراء القصة التي يرويها الكتاب هو أن الجهد الذي قامت به الحكومة الفيدرالية في واشنطن، كان يمكن أن يضيع هباء إذا لم يرافقه جهد مضاعف لتغيير أكثر المفاهيم الموروثة . ويضرب المؤلف وعارض الكتاب المثل بالشجاعة، خاصة أنها كانت جوهر ثقافة شعب الغراب . وبالتالي يصبح تغيير معناها ومضمونها شرطاً ضرورياً لنجاح عملية نقل قبيلة الغراب من الأرض التي عاشت فوقها لقرون، إلى أرض أخرى . بمعنى آخر لابد من أن تتوافر لدى الناس شجاعة ولكن بمضمون غير مضمونها الذي ترعرع في ثقافة الصيد والدفاع عن القبيلة ضد عدوان مسلح . ولما كانت الشجاعة تقوم أساساً على الإيمان بشيء ما اقترح المؤلف إقناع أي شعب يمر بتجربة شعب الغراب، بأن يتحول هدف هذا الإيمان ألى إيمان بحضارة الرجل الأبيض وأنها الأفضل والأعظم، وهي الباقية والأخريات إلى زوال . الشجاعة المطلوبة في هذه الحالة هي القبول بالأمر الواقع والاستسلام له وللثقافة الأقوى المهيمنة، باعتبار أن التسليم بسمو الرجل الأبيض وبحقه في الهيمنة والاستعداد للاندماج في ثقافته، شجاعة لا تقل عن شجاعة رجال القبيلة عندما كانوا يمارسون الصيد ويحصنون حدود قبيلتهم . يخلص الكتاب والعرض معاً إلى أن ما فعله شيخ القبيلة هو الشجاعة بعينها، إذ إنه عندما شعر أن ثقافة شعبه تموت وشعبه ينهار، بعد أن دبّ فيه اليأس وفقد الرغبة في الحياة، قرر أن يقود شعبه نحو القبول بكل ما تأمره به حكومة واشنطن، ويقبل هو شخصياً أن تعدّه واشنطن عميلاً لها أو وسيطاً لدى قبيلة الغراب والقبائل الأخرى .


يخلص جوناثان لير مؤلف كتاب “الأمل الراديكالي” إلى أنه كان أولى بقبيلة الغراب وقبائل أخرى أن تتحالف مع حكومة الرجل الأبيض ضد القبائل التي اختارت بديل المقاومة . كانت ستخسر ثقافتها، أي تخسر نفسها، ولكن تكون قد كسبت الاستقرار والسلام .


يقول الشيخ الوقور في نهاية روايته عن موت ثقافة شعب الغراب “لقد توصلنا إلى قرارنا ليس لأننا كنا نحب الرجل الأبيض الذي كان في ذلك الوقت يطارد قبائل أخرى، ويضيّق عليها وعلى قبيلتنا الخناق، وليس لأن قبيلة الغراب كانت تكره شعوب وقبائل السيوكس والشيين والاواباهوى، ولكن لأننا، ببساطة، رأينا في قرار التعاون مع الرجل الأبيض السبيل الوحيد لإنقاذ بلادنا الجميلة” .


اللافت أن الشيخ أطلق صفة “بلادنا الجميلة” على الأراضي التي نقلته إليها مع قبيلته حكومة الرجل الأبيض، وهي أراض لا زرع فيها ولا ضرع، يقود عليها شعباً ماتت ثقافته ومنتهى أمله ترخيص بإقامة كازينو للقمار .

طباعــــة

إرســال

أضـف تعليــق

أضــف تعليـــق

عنوان التعليق
الاسم
البريد
تعليق
 

  تعليـــق

  آخر مقالات للكاتب

02/02/2012
حال ثورتين

26/01/2012
لن تكون المهمة سهلة

19/01/2012
ثلاثية المشهد السياسي القادم في مصر

12/01/2012
أدوار جديدة لدولتي الجوار

05/01/2012
الخير قادم والصعوبات أيضاً

 
 

  النشرة الدوريــة

   دليــل المدينة

  حالة الطقس

  مؤسسة تريم عمران للأعمال الثقافية والإنسانية

البريد
 

جائزة تريم عمران للصحافة

•مركز تريم عمران للتدريب والتطوير الإعلامي

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر © 2008