الدين للحياة
"إنا كفيناك المستهزئين" آخر تحديث:الجمعة ,12/03/2010
د . تيسير رجب التميمي


ورد في السيرة أن زيد بن الدثنة رضي الله عنه لما أشرف على القتل استحلفه أبو سفيان: يا زيد أتحب أن محمداً عندنا مكانك تضرب عنقه وأنت سالم في أهلك؟ فقال زيد: والله ما أحب أن محمداً الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأنا جالس في أهلي؛ فقال أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمدٍ محمداً . وفي غزوة بني المصطلق قال عبد الله بن أبي ابن سلول زعيم معسكر النفاق في المدينة المنورة قاصداً الإساءة لرسول الله صلى الله عليه وسلم “والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل” فقال له ابنه عبد الله رضي الله عنه والله لا تنقلب حتى تقر أنك الذليل ورسول الله صلى الله عليه وسلم العزيز؛ ففعل، (رواه الترمذي) .


أحبوه محبة روحية كانت هي معيار صدق إيمانهم القلبي، لأنها أكبر حافز على امتثال أمره؛ قال تعالى “قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبونَ اللهَ فَاتبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ” (آل عمران 31) .


وكثرت شهادة غير المسلمين المنصفة له؛ فقد قال هرقل لأبي سفيان في نهاية المقابلة معه “فإن كان ما تقول حقاً فسيملك موضع قدمي هاتين وقد كنت أعلم أنه خارج لم أكن أظن أنه منكم فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه” (رواه البخاري) .


فأول نبراس للتعبير عن الرأي هو الذي أضاءه، وأول مشعل للفكر الحر هو الذي أناره، فرفض التقليد الأعمى واتباع الآخرين على غير بصيرة فقال “لا تكونوا إمعة تقولون إن أحسن الناس أحسنا وإن ظلموا ظلمنا ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساؤوا فلا تظلموا” رواه الترمذي .


أما التسامح فما سبقه أحد إليه؛ قال صلى الله عليه وسلم بعد أن ردته إحدى القبائل وانطلق على وجهه مهموماً؛ “فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم؛ فناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال يا محمد إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين فقال النبي صلى الله عليه وسلم “بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا” (رواه البخاري) .


إن هذه الإساءات البالغة للرسول صلى الله عليه وسلم لا تمثل خرقاً للقوانين الدولية والأعراف العالمية فحسب؛ بل هي دليل غيظ الأعداء الذي نستشعره في قلوبهم؛ ونسمعه من أفواههم، قال تعالى “قَدْ بَدَت الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَينا لَكُمْ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ” (آل عمران 118)، وهي وسيلتهم الحاقدة للإطاحة بالصورة المشرقة للإسلام والمسلمين لدى شعوب العالم، ودليل العجز والقهر الذي أصاب أعداء الإسلام من ثبات قدمه وقوة حجته وشموخ رايته وانتشار دعوته؛ ويأتي في سياق الحملة العالمية الحاقدة على هذا الدين وأتباعه، والتي ترمي إلى تكريس فكر العولمة وفرض النظام الكوني الأوحد على الإنسانية جميعاً .


لقد علم المسلمون من قديم أن دينهم مستهدف؛ ورسولهم مستهدف؛ وهم مستهدفون حيث أخبرهم ربهم سبحانه بذلك؛ فقال “لَتُبْلَوُن فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُن مِنَ الذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتقُوا فَإِن ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمُورِ” (آل عمران 186) فما نسمعه اليوم من إساءات واستهزاء برسل الله كلهم؛ ليس بالأمر الجديد على طريق دعوة التوحيد؛ أو سيرة أولي العزم من الرسل؛ قال تعالى في خاتم رسله “وَلَقَدْ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون” (الأنبياء 41) .


وهذا النبي الأمي بعد مرور هذه القرون العديدة والأزمنة المديدة على مبعثه لا يزال حاضراً في الناس بهديه وسنته؛ لا يملك أحد أن ينال منه وهو المعصوم بحَصانَةٍ ربانيةٍ عصية على كل غادر؛ قال تعالى “إِنا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ” (الحجر 95) .


قاضي قضاة فلسطين

طباعــــة

إرســال

أضـف تعليــق

أخبار متعلقـــة

  
 

أضــف تعليـــق

عنوان التعليق
الاسم
البريد
تعليق
 

  تعليـــق

 بقية المواضيع

 
 

  النشرة الدوريــة

   دليــل المدينة

  حالة الطقس

  مؤسسة تريم عمران للأعمال الثقافية والإنسانية

البريد
 

جائزة تريم عمران للصحافة

•مركز تريم عمران للتدريب والتطوير الإعلامي

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر © 2008