تُفصح الأحداث الأخيرة في منطقة الشرق الأوسط، وتحديداً ما تعلق منها بجنوب لبنان، أن “إسرائيل” باتت غير قادرة على ضبط استراتيجيتها السياسية، وأضحت تتخبط في مسلسل من الارتجالية والعشوائية لم يعتد المتتبعون ملاحظته لدى ساسة تل أبيب . خاصة حينما يتعلق الأمر بالسياسات الأمنية الحساسة والمصيرية، فقد جاءت مجمل التصريحات “الإسرائيلية” مفتقدة عنصر الاتزان والحصافة، كأن الفريق الحاكم في “إسرائيل” غير قادر على حسم خياراته، نظراً للوضعية الحساسة التي تمر بها المنطقة من جهة، ونظراً للأجندة السياسية الأمريكية الحالية التي تواجه ظروفاً وتحديات صعبة في العراق وأفغانستان من جهة أخرى، فعلى الرغم من أن قرارات الحروب الأخيرة التي اتخذها جنرالات “إسرائيل” اتسمت بكثير من السلاسة حتى لا نقول بنوع من السهولة، فإن القيادة “الإسرائيلية” غير قادرة في هذه المرحلة على إنجاز قراءة موضوعية ومتأنية للموقف، لأن قوة الردع التي كانت تمتلكها تلاشت إلى حد كبير بعد الحرب التي شهدها جنوب لبنان سنة ،2006 وبعد الهجوم الإجرامي الفاشل على قطاع غزة .
فالوضع الإقليمي العربي حتى إن كان مفتقراً للتنسيق الكامل بين أقطابه، إلا أن الخلافات العربية الداخلية أضحت في المرحلة الراهنة قابلة للاحتواء وبأقل الأضرار الممكنة، نظرًا لحاجة دول الجوار العربي إلى المحافظة على الحد الأدنى من التنسيق والتشاور التي ترتبط بالمصالح المشتركة لمجمل الأطراف الفاعلة . وقد جاء الاجتماع الثلاثي العربي الأخير في بيروت الذي ضم كلاً من العاهل السعودي والرئيسين السوري واللبناني، ثم ما أعقب ذلك الاجتماع من نشاطات كان من أبرزها زيارة أمير قطر إلى جنوب لبنان، ليضاعف من ضبابية وتخبط السياسية “الإسرائيلية” التي ما فتئ أعوانها وجواسيسها في المنطقة يتساقطون كأوراق الخريف .
كل هذه التطورات وغيرها من الأحداث المرتبطة بالجبهة الفلسطينية، تشير إلى أن الأمور لا تسير وفق ما تشتهيه سفن قادة تل أبيب، لذلك فهم يلوِّحون بالحرب وما يصفونه بالرد الحاسم من ناحية، ويشعرون بأنهم قد استنفدوا كل بدائلهم الممكنة من ناحية أخرى، لأن المجتمع الصهيوني وصل في تطرفه السياسي إلى الحدود القصوى ولم يعد قادراً على أن يوفِّر بديلاً حكومياً أكثر تصلباً وتعنتاً من الثنائي الجهنمي الذي يمثله كلٌّ من نتنياهو وليبرمان .
صحيح أن لا أحد يمكنه أن يثق بالنوايا الصهيونية، لكن قرار الحرب بالنسبة للحكومة “الإسرائيلية” له مذاق هو أقرب إلى مذاق العلقم، لأنها قد تكون هذه هي المرة الأولى التي ربما تضطر فيها “إسرائيل” إلى شن حرب إقليمية من دون أن تعرف بشكل حاسم إن كانت لها القدرة الفعلية على التحكم في مجرياتها وتداعياتها خاصة بعد التجربة المريرة التي خاضتها ضد المقاومة في جنوب لبنان . وبالتالي فإن كل ذلك “الهيلمان” وكل تلك القدرات العسكرية الكبرى التي تفتخر “إسرائيل” بامتلاكها، لا تستطيع أن تضمن لها في المرحلة الراهنة تحقيق نصر مؤزَّر على خصومها، لأن قوى المقاومة استطاعت أن تفرض صيغاً جديدة في شكل معادلة القوة في المنطقة، بشكل لا يستطيع حتى الدعم الأمريكي أن يقوِّضه، ويجعله يميل باتجاه “إسرائيل”، لأنه غير مرتبط بالسياسات الرسمية العربية، خاصة أن المقاومة تمكنت باقتدار كبير من تغيير قواعد الصراع مع “إسرائيل” من دون أن تدخل في صراع مكشوف ضد استراتيجية وقواعد عمل النظام الرسمي العربي، الذي يعتمد على سياسة الاستفادة إلى أقصى حد ممكن من حالة اللاحرب واللاسلم، من أجل الإبقاء على الأوضاع كما هي ضمن رؤية سوداوية ترى أن كل تغير يحدث لا بد أن يكون تغيراً نحو الأسوأ، ويمكنه بالتالي أن يؤدي إلى تغيير غير مستحب في قواعد الممارسة السياسية بالمنطقة .
ومن نافلة القول أن نؤكد في هذا السياق، أن حالة التخبط السياسي التي تميز سلوكيات الحكومة “الإسرائيلية” وتسم قراراتها بميسمها، لا تحتاج منا إلى جهد فكري كبير من أجل إثباتها، فكثرة التصريحات الصهيونية المتوعدة لا تدل على وجود إحساس حقيقي بالتفوق والثقة بالنفس التي كانت تصل في مرات سابقة إلى عتبة الزهو والخيلاء، بقدر ما تُفصح عن مؤشرات ضعف قاتلة بعد أن فشلت كل المحاولات التي قامت بها تل أبيب من أجل القضاء على خيار المقاومة بالمنطقة . فقد بات من أبجديات السياسة “الإسرائيلية” أنها حينما تمتلك القوة الحقيقية والكافية على الفعل فإنها كانت تقوم بممارسة الفعل مباشرة، وكانت تصمت عن الكلام المباح، لأنها كانت تتوفر حينها على الإمكانات الضرورية لتجسيد قراراتها على أرض الواقع . أما الآن فقد أصبحت قراراتها في مواجهة جدار صدٍ قوي، يحتفظ أصحابه لأنفسهم بحرية تقدير الموقف ومن ثم حرية اتخاذ القرار بكل ثقة بعيداً عن الضغوط وكل أشكال الوصاية الإقليمية والدولية، وبالتالي فإن “إسرائيل” لا تستطيع أن توفر لنفسها كل عناصر الثقة بالنفس وهي تواجه خصماً لا تستطيع، لا أن تضغط عليه ولا أن تبتزه، ولا حتى أن تتنبأ بما يمكن أن يُقدم عليه، لأن الجيوش التي تعتمد على نسبة كبيرة من الجهد الاستخباراتي في القيام بعملياتها، تشعر بالوهن وخيبة الأمل حينما يتعذر عليها اختراق صفوف خصومها بشكل حاسم، كما يحدث لها مع قوى المقاومة في هذه اللحظة التاريخية الكبرى .