تعمل المرأة دائماً على رعاية حبها بيدين مرتجفتين، تماماً كأنها تحمل قطعة ألماس وتخشى عليها من الخدش أو الضياع، فالحب في عين المرأة كنز، خصوصاً المرأة الريفية ابنة الطبيعة بامتياز، وسوف تجد مثل هذا الولع بالحب الريفي لدى الكثير من الشعوب، خصوصاً المغلقة منها وتلك التي تخضع لثقافة ذكورية مُغالية في تكميم فم المرأة عندما يحيط بقلبها الحب وتشعر بنوع من المخاض الذي لا يدفعها إلى ولادة طفل، بل، ولادة قصيدة .
تعثر على هذه الروح الوثّابة إلى الحياة في أشعار نساء البشتون (أفغانستان) التي نقل جزءاً منها إلى العربية جميل صلاح بمقدمة مضيئة على مجتمع “يدار كلياً وفق قيم الذكورية” بحسب مقدمة كتيّب صغير الحجم حمل قصائد صغيرة أيضاً هي عبارة عن أشعار شعبية تحت عنوان “اللاندي” الذي يعني في المقدمة “الموجز” . . هذا اللاندي النسائي . . “ . . سهل، هشّ، جميل مثل الزهور البرية في السهول والجبال المجاورة ويولد من دون بذار منتظم . .” .
هذا البذار الشعري غير المنتظم موجود في أماكن كثيرة في آسيا، هذه القارة التي تفوح منها رائحة البهار وثمار المانغو وأشعار طاغور وتعاليم كونفوشيوس . . آسيا المغلقة أيضاً على جسد المرأة وثيابها وقوارير عطرها الممنوع من الطيران في الريح، فحتى الحجر لو شمّ عطر المرأة في هذه الديار فإنه يجد من يهشمه ويطحنه بقوة الذكورية المتقدمة دائماً إلى الواجهة .
في آسيا، وفي سواها من جغرافيات وثقافات مغلقة، هناك أشعار تكتب في الليل على ورق فقير وصغير سرعان ما تخبئه كاتبته في فمها إذا اقتضى الأمر، فهي في فمها ماء كثير، كما يقول المثل، يمنعها من البوح ومن الكلام .
في بلد مثل أفغانستان هناك ما هو مُخبأ في ما يشبه الكهوف، وصورة اللحى الطويلة والسراويل الفضفاضة والعمائم الملفوفة بقوة على الرؤوس ليست هي الصورة الوحيدة والأخيرة في بلد مرّت عليه الحروب والإيديولوجيات بأشكال وأطماع مختلفة وعديدة، فكانت صورته الظاهرة هي صورة النار والظلام، لكن في الخفاء، وتحت عين القمر في الليل، كان يمكن لامرأة أن تغني لنفسها في صمت: “كُنْ تلميذ أبي، سيعلّمك هو الدروس، وأنا أعلمك الحياة . .”، وأخرى تلهج بلسان أكثر جرأة “ . . ياحبيبي، ياشمسي، قم في الأفق، أطمس ليالي منفاي غياهب ظلمات الوحدة تغطي كل أجزاء جسمي . .” .
هكذا هي دورة الحياة . .
صنّاع الحروب وسماسرتها الجاهزون دوماً للصفقات الكبرى ينشغلون بتعبئة الأرض برائحة البارود، فيما أغاني الفقراء تواصل نموّها بين الحجارة وتتجه بأعناقها إلى شمس الحياة .
yosflooz@gmail.com