حدد بحث مقدم لصندوق النقد الدولي معوقات النمو في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في ثلاثة عناصر شملت التمويل ونقص الأيدي العاملة المدربة ونقص الطاقة الكهربائية . وتناول البحث موضوعات متعددة شملت النمو في المنطقة والمشاريع التي ينفذها البنك الدولي في بعض دول المنطقة ومعوقات النمو في بعض الدول والتعقيدات السياسية الناتجة عنها أو التي تسهم في زيادة تلك المعوقات على مدى العقدين الماضيين .
وأشار التقرير إلى أن معدلات النمو في دول المنطقة خلال تلك الفترة كانت مخيبة للآمال حيث سجلت أدنى معدلات النمو على مستوى العالم وأدنى معدلات نصيب الفرد من الناتج الإجمالي المحلي باستثناء الدول المطلة على الصحراء الكبرى، رغم غنى معظم الدول التي تناولها البحث بمواردها الطبيعية . وامتازت معظم اقتصادات تلك الدول بالهشاشة نظراً للاعتماد الكلي على النفط وغيره من السلع الرئيسية التي تشهد أسعارها تذبذبات مفاجئة .
أشار التقرير إلى أن النمو الاقتصادي في دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا كان خلال السنوات العشرين الماضية أدنى منه في الاقتصادات الناشئة في كل من أمريكا اللاتينية ووسط آسيا وشرق أوروبا، في حين أن معدلات النمو في هذه الاقتصادات كانت أفضل في الفترة من عام 1960 حتى 2000 .
ومن أبرز معوقات النمو في هذه الدول نقص البنى الأساسية اللازمة باستثناء دول منطقة الخليج . وتشكل خدمات الاتصالات والنقل في دول المنطقة العقبة الكبرى في وجه إنشاء الشركات وتنفيذ الأعمال . يضاف إلى ذلك نقص الأيدي العاملة المدربة في الوقت الذي تحاول حكومات تلك الدول تسويق العمالة منخفضة التكلفة كأحد أهم عوامل جذب المستثمرين في حين تكتشف الشركات أن هذا الانخفاض ينعكس في تدني مستويات الكفاءة والخبرة .
وعزا البحث أسباب مشكلة العمالة إلى هيمنة القاطع العام على فرص العمل ما يقلص عوامل التحفيز، فضلاً عن تعدد القوانين والتشريعات التي تحد من قدرة القطاع على تخصيص جزء من الحوافز لجهة تدريب العمالة وتوظيفها .
وأشار البحث إلى التفاعل بين التطوير المالي والنمو الاقتصادي في دول المنطقة محدداً قناتين رئيسيتين لتحرك رأس المال، إحداهما مباشرة تتمثل في تحريك وتخصيص الموارد المالية، والأخرى غير مباشرة تتمثل في خلق البيئة المناسبة لوضع السياسات المالية وتفعيلها . وقد تميزت دول المنطقة بالنجاح في تحريك الأموال اللازمة للنمو والفشل في توفيرها وهو ما يعكس سيطرة المصارف الحكومية على النظام المصرفي في العديد من تلك الدول ومنح المشاريع الحكومية درجة الأفضلية ويضع العراقيل في وجه الشركات الكبرى والمتوسطة الحجم خاصة الأجنبية منها، للبدء في إقامة المشاريع وتوفير الأموال التي تحتاج إليها .
وأوضح البحث أن الكفاءة المؤسساتية لبعض الحكومات والتي تحددها المؤشرات العالمية لقياس القدرة على القيام بالوظائف المؤسساتية الحساسة أحد أسباب ضعف الأداء في ما يتعلق بالنمو الاقتصادي لتلك الدول . ويشير البحث إلى دراسات في هذا المجال تركز على أن الكفاءة المتدنية لرأس المال في هذه الدول سببها أن معظم حكومات دولها لا توفر البيئة المناسبة والدعم المؤسساتي المطلوب للاستثمار ولتطوير دور القطاع الخاص .
وألمح البحث إلى دور الفساد وعدم الاستقرار السياسي في نقص معدلات التنمية الاقتصادية متمثلة في نصيب الفرد من الناتج الإجمالي المحلي الوجه الآخر للنمو الاقتصادي وأجرى البحث مقارنة بين عدد من دول المنطقة وأخرى من دول أمريكا اللاتينية في الفترة من 1993 حتى 2003 من حيث تأثير الفساد على التطور الاقتصادي استناداً إلى آثاره النسبية كعامل مؤسساتي قد يؤدي إلى التخفيض غير المناسب للموارد المالية وبالتالي تخريب الاقتصاد . وتبين أن الفساد ذو علاقة وطيدة بمعدلات نصيب الفرد من الناتج الإجمالي المحلي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وتكتسب النتائج في هذه الدراسة أهمية خاصة نظراً لكون معظم دول المنطقة دولاً نفطية حيث تسيطر الحكومات على الأنشطة النفطية التي تشكل القسم الأهم من الاقتصاد .
وفي ما يتعلق بدراسة المشاريع التي ينفذها البنك الدولي في دول المنطقة أشار البحث إلى وجود أكثر من 100 ألف مشروع موزعة على 100 دولة كلها تعاني من معوقات الأداء المختلفة في الفترة بين عامي 2002 2008 والتي تمثلت في نقص العمالة الماهرة والأنظمة والقوانين والحصول على رأس المال ونقص كفاءة البنى الأساسية والمعدلات الضريبية المرتفعة وسوء الإدارة والفساد . وقد أفادت نسبة 54% من المشاركين في البحث أنهم يضطرون لدفع مبالغ نقدية لموظفين حكوميين في دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لتسهيل معاملاتهم مقارنة مع 35% على مستوى العالم و13% في مجموعة التطور الاقتصادي والتنمية .
وأفادت نسبة 40% منهم أن عقبات من قبيل نقص الطاقة الكهربائية وارتفاع المعدلات الضريبية هي أهم ما يعيق التقدم في تنفيذ أعمالهم في دول المنطقة .
وخلص البحث إلى نتائج أشارت إلى أن تدني معدلات النمو في دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا كانت متدنية أكثر مما هو متوقع لجهة الخواص المميزة لكل دولة من دول المنطقة على المدى البعيد . وأنه من بين المعوقات التي تم تسليط الضوء عليها من قبل البنك الدولي فيما يتعلق بتنفيذ مشاريعه، تبين أن العمالة الماهرة هي أكبر العوامل تأثيراً على النمو في المنطقة . ومن المؤكد أن تقليص تأثير هذا العامل سوف يزيد نصيب الفرد من الناتج الإجمالي بنسبة تصل إلى 0،4% سنوياً، وأن إزالة عقبة توفير الرساميل أو تقليصها لتتناسب مع المستويات العالمية يزيد نصيب الفرد بنسبة 0،1% سنوياً، في حين يؤدي زوال عقبة نقص الطاقة الكهربائية إلى زيادة نصيب الفرد من الناتج الإجمالي المحلي على صعيد المنطقة بنسبة 0،2% سنوياً .
وأظهرت نتائج البحث أن إزالة عقبة من قبيل نقص العمالة الماهرة يتطلب تغيراً جذرياً في الاستراتيجيات الوطنية لتلك الدول فيما يخص التعليم بحيث توفر حاجات ومتطلبات القطاع الخاص، وربما من خلال إقامة المزيد من الفرص أمام مشاركة ذلك القطاع في مجالات تمويل التعليم ووضع السياسات الفعالة لسوق العمالة بحيث يمكن توفير العمالة المناسبة عبر برامج التدريب ووضع معايير تشغيل الشباب وبرامج الدعم المؤقت للتوظيف في القطاع الخاص ضمن مجالات محددة ووضع برامج التدريب المهني .
وفيما يتعلق بالتمويل قصير الأجل بين البحث أن وضع معايير الحصول على التمويل قد يتضمن توفير أو زيادة الموارد الخاصة بالهيئات التخصصية أو الصناديق المخصصة لتوفير التمويل والتسهيلات الائتمانية للشركات الصغيرة والمتوسطة أما معايير الحصول على التمويل على المدى البعيد فقد تشمل إنشاء سجلات معلومات ائتمان عامة، أو التشجيع الحكومي الفعال لسجلات الائتمان الخاصة أو مكاتب المتابعة الائتمانية .
أما التخفيف من آثار نقص الطاقة الكهربائية فقد يتطلب حسب النتائج التي توصل إليها البحث زيادة الاستثمارات الحكومية في شبكات الطاقة الكهربائية ومشاركة أوسع للقطاع الخاص في مشاريع التوليد والتوزيع والتحويل من خلال الشراكة الموسعة بين القطاعين العام والخاص خاصة في الدول التي تعاني من ضغوط مالية قاتلة .
وهناك الكثير من الدلائل على أن الانفتاح التجاري الموسع له تأثير ايجابي على النمو الاقتصادي حيث تمثل رداءة وسائل المواصلات ونقص التنسيق بين الدوائر الجمركية في دول المنطقة أهم العقبات في وجه حركة التجارة البينية، وبالتالي عرقلة النمو الاقتصادي .