كان خير ما عدنا به من لقاءعلمي جمعنا مع أكاديميين عرب منهم من هو صاحب اختصاص مشهود له في العلوم الإدارية، هو تأكيد سلامة الرأي الذي يرى في معظم ما يقدم من اتجاهات إدارية حديثة في مجالات الجودة والتميز والحوكمة والتنمية المستدامة علماً قديماً يقدم بأغلفة حديثة، بل قيل في هذا اللقاء إن هذا الأمر مدرك وواضح في الفكر الإداري الغربي ولا تخفى أهدافه التجارية البحتة إلى الدرجة التي ترددت فيها هناك مقولة إن ما يقدم من لافتات جديدة في العلوم الإدارية ما هو إلا “عطر قديم يعبأ بقوارير حديثة”، وهي مقولة تتيح لنا أن نشير ابتداء إلى خشيتنا من أن يكون الهدف التجاري من عملية إعادة التعبئة تلك جعلت ذلك العلم الحديث كمعظم زجاجات العطر الحديث، التي يغلب عليها ظاهر الزخرفة دون الأثر الذي كان يبقي رائحة العطر أمداً طويلاً، ويكسب العلم القديم إيماناً وعملاً والتزاماً .
الحديث عن الأثر ومدى الالتزام قد يكون سابقاً لمجاله إن تحدثنا عنه هنا لذلك يمكن أن نمهد لهذا الحديث بالإشارة في هذه الزاوية، من باب التذكير، إلى أهم معالم العلم القديم الذي آل إلى التعبئة في زجاجات عطر حديثة في المجالات المشار إليها أعلاه أي في مجالات الجودة والتميز والحوكمة والتنمية المستدامة .
فالجودة، بشقيها جودة المنتج وجودة الأداء، تعد في العلوم الإدارية من عناصر قياس الكفاءة في الأداء، ومن المعروف أن رقابة وتقييم الأداء تمثل أسلوباً علمياً عريقاً نال عناية شديدة في بعض أقطارنا العربية إبان الصحوة التنموية التي اقترنت بالتوجه القومي منذ ستينات القرن الماضي .
فمن حيث جودة المنتج، أي الجودة التي يمكن النظر إليها باعتبارها: تحقيق مجموعة من الصفات أو المواصفات القياسية الفنية في المنتجات “أي في السلع والخدمات المنتجة التي تمثل مخرجات النشاط”، فإن الأصل في هذا الجانب من الجودة أن يكون عنصراً من عناصر كفاءة الأداء التي تعني، بشكل عام: “مخرجات “منتجات” أفضل من حيث الكمية والنوعية “الجودة” بمدخلات أقل” .
أما جودة الأداء فتُعد عملية تنظيمية غايتها تحقيق الفاعلية والكفاءة في أداء كل قسم أو إدارة لعملها، على اعتبار أن ذلك سيؤدي إلى تحقيق أهداف النشاط من حيث ضمان جودة مخرجات النشاط من منتجات أو خدمات وتوفيرها حسب الطلب وفي الزمن المناسب .
أما التميز بمعناه الحديث فكان ينظر إليه سابقاً على أنه يمثل المستويات العليا من الجودة في الأداء، تلك المستويات التي يمكن التعبير عنها من خلال المؤشر العام “منتجات أفضل كماً ونوعاً بتكلفة أقل” وما يمكن أن يشتق من ذلك المؤشر العام من مؤشرات نوعية أو تفصيلية تتناسب مع طبيعة النشاط المقاس وتقترب من القياس الكمي والقيمي الأقرب إلى الدقة من المشاهدات والإقرارات والاستبيانات مهما اتصفت المشاهدة والإقرار بالحياد أو اقترنت الاستبيانات بالدقة والموضوعية .
أما في ما يتعلق بالحوكمة “Governance” ، فمن الملاحظ، ابتداء، استخدام عدة تعابير في اللغة العربية للدلالة على ما يقابل لفظ ال “Governance” فكان من ذلك الحوكمة والحاكمية والحكم الصالح أو الصلاح في الحكم أو التحكم المؤسسي، مما جعل البعض يردها إلى جذورها في فقه إدارة الأعمال ليدخلها في ما يعرف بالإدارة الرشيدة أو الرشد الإداري خاصة أن الجانب الإداري في مضمونها يوحي بذلك . ذلك أنه من غير المعقول أن نجد في الحوكمة أحياناً خليطاً غير متجانس من المفاهيم وفكراً ينقصه الترابط ومجموعة من الإجراءات والمتطلبات تدعو إلى الحيرة والتشتت مما يجعل مفهوم ما يدعى بالحوكمة يتسع اتساعاً يصلح لشعارات تطلق لا لمادة علمية تضع أسساً تقبل البناء عليها فكان فيها: “المحاسبة بمعنى المساءلة، الحد من الفساد، الاستقرار السياسي، فاعلية الحكومة، سلامة تنظيم الاقتصاد، حكم القانون أو دولة القانون، تنظيم إدارة القطاع العام، المشاركة في الإدارة، الشفافية، المساواة وتكافؤ الفرص، الفاعلية، الرؤية الاستراتيجية . .وربما سوى ذلك أيضاً” . .
لذلك لو نظرنا للحوكمة بمنظار ما كان يعرف بالإدارة الرشيدة أو الرشد الإداري لقصرنا مفهومها على سمات أساسية من متطلبات التطوير والرشد الإداري يمكن أن تصاغ لها مؤشرات تعبر عن مدى تحقيقها، فالشفافية والمشاركة في القرار، والمساءلة هي عناصر أساسية، في ما سمي بالحوكمة وفي ما يعرف بالرشد الإداري أو بالإدارة الرشيدة .
فالحاجة ملحة للشفافية في ما يتعلق، بشكل خاص، بالتقارير المالية وبيانات الشركات والأسواق المالية والنقدية على النحو الذي يضمن عرض وإيصال معلومات صحيحة وواضحة وكاملة إلى كل الأطراف ذات المصلحة، وذلك لتوفير الثقة بالإدارة والسوق وسلامة قرارات الاستثمار .
ويقع في هذا المجال متابعة التقارير والقوائم المالية الدورية والختامية من حيث مواعيد إنجازها، ومن حيث مستوى الوضوح في بياناتها، ومن حيث استيفاؤها لقواعد المحاسبة والعرض السليم في القوائم المالية “ولتكن تلك القواعد محلية محددة وملتزماً بها قبل أن تكون دولية” .
كذلك فإن الحاجة تبدو أشد إلحاحاً لوضوح خطوط السلطة والمسؤولية والبعد عن التحكم في الإدارة وضرورة المشاركة في القرار، ويتطلب ذلك على سبيل المثال: ضمان سلامة شكل الشركة أو المؤسسة والهيكل التنظيمي والنظام الداخلي وهرم السلطات والاختصاصات . ومتابعة مدى انتظام جلسات مجالس الإدارة والجمعيات العمومية وسلامة تلك الاجتماعات والقراراة المتخذة فيها، كذلك سلامة التفويضات وبشكل خاص تفويضات الجمعية العمومية لمجلس الإدارة في اختصاصات ومهام يجب أن يحتفظ بها للجمعيات العمومية، ونخص منها بالذكر تفويضات مجلس الإدارة في تعيين مراقبي الحسابات وتحديد أتعابهم، والتصرف في الموجودات وتوزيعات الأرباح وتحديد أجور الإدارة العليا . .إلخ
وفي جانب المساءلة، التي تعني المسؤولية عن النتائج التي تحققها الإدارة وضرورة المحاسبة عنها ومقابلتها بالحوافز السلبية أو الإيجابية، وهي مساءلة لابد من أن تبنى على تقييم موضوعي للأداء يشمل جانب قياس فاعلية الإدارة في تحقيق أهدافها وجانب كفاءتها في تحقيق تلك الأهداف، وذلك مع ضرورة التأكيد على أن التقييم ليس هدفاً بحد ذاته بل هو مستند المساءلة ومبررها، لذلك فإن الوقوف عند التقييم يفقد هذا التقييم كل معناه وأهدافه، لذلك لابد أن يقترن هذا التقييم بنظام للمساءلة من قبل الجهات التي تملك اختصاص المساءلة واختصاص اتخاذ الإجراءات التصحيحية في ضوء ذلك التقييم كلما اقتضى الأمر ذلك .
أما ما يعرف بالتنمية المستدامة فكان المفهوم السائد لها أنها التنمية الشاملة والمتوازنة التي لا يطغى فيها نشاط على حساب آخر، ويؤخذ فيها البعد الاجتماعي كعامل أساسي في التخطيط للتنمية وتوجيهها، وذلك وفق خصائص الاقتصاد الوطني وأولويات انتاج الضرورات وتشييد البنى الأساسية والاهتمام بنمو كافة المناطق وتحقيق الاكتفاء والأمن الاقتصادي . وكان الحفاظ على البيئة يعد عنصراً من عناصر البعد الاجتماعي للتنمية الشاملة المتوازنة وقد تم التركيز على هذا العنصر، عنصر البيئة، في ما يعرف بالتنمية المستدامة ليتناسب هذا التركيز مع سعة الافتئات على البيئة نتيجة تجاهل البشرية، في تكالبها المادي، متطلبات الحفاظ على البيئة مما أدى إلى استنزاف الموارد والإخلال بالتوازن الطبيعي ومشاكل التلوث بأنواعه المختلفة .
من هنا أتى الاتجاه نحو شمول رقابة الأداء ما يمكن أن يمثل رقابة تتضمن تقييم أداء بيئي أو صديق للبيئة: على أن يقترن التوسع في هذا الهدف بالحفاظ على هدفي الشمول والتوازن كهدفين أساسيين للتنمية، بل باعتبارهما هدفين يميزان التنمية الحقيقية عن النمو المظهري .
ويُعد التأكد من استناد أولويات خطة التنمية إلى أبعادها الثلاثة الأساسية “شمول وتوازن وصداقة للبيئة” من أهم ما يجب أن يوجه إليه اهتمام تقييم أداء إدارة التنمية المستدامة وقياس تميزها .
* باحث في شؤون المال والاقتصاد