رأي ودراسات

البحـــث

    
التبعية الأوروبية للولايات المتحدة آخر تحديث:السبت ,06/06/2009

غسان العزي

ليس الاتحاد الأوروبي بدولة ولا امة ولا حتى اتحاد فيدرالي رغم تضمنه لعناصر ادارة فدرالية مثل العملة الواحدة والحدود المفتوحة بين عدد وافر من دوله ورغم الهوية السياسية والثقافية الواحدة التي يروج لها بين مواطنيه . انه تجربة اتحادية فريدة من نوعها في تاريخ العلاقات الدولية لما تكتمل بعد . لكنه رغم ضخامة حجمه وقوته الاقتصادية ما يزال يعتبر “قزما سياسيا” وعسكريا .


ولا يعود ذلك لافتقار الاتحاد الى عناصر القوة التي تؤهله ليكون “ماردا” سياسيا في الساحة الدولية ولكن الى ما يسمى في علم النفس ب”عقدة الدونية” وتحديدا حيال “الاخ الاكبر” الأمريكي الذي اضحى مرجعية لكل ما يشرع الأوروبيون في فعله او التفكير فيه . فعندما يحبذ بعض هؤلاء ان يتحول الاتحاد الى فيدرالية فذلك مقارنة مع الولايات المتحدة، وعندما صاغوا الدستور المشترك قبل عرضه على الاستفتاء الشعبي قالوا إنه يشبه الدستور الذي أقره الأمريكيون في مؤتمر فلادلفيا الشهير العام ،1787 وعندما سوقوا لفكرة رئيس للاتحاد الأوروبي راحوا يذّكّرون بجورج واشنطن .


بل ان هناك من يقول ان توسيع الاتحاد نفسه كان في الاصل فكرة حبذتها واشنطن من ضمن استراتيجية تهدف الى توسيع نطاق الاستقرار والديمقراطية بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وهي استراتيجية لم تتغير بعد انتهاء الحرب الباردة . وواشنطن تود ان يتوسع الاتحاد ليضم القارة باكملها ومعها تركيا والقوقاز، من دون روسيا بالطبع . ويأتي توسيع حلف الاطلسي الى تخوم روسيا وكأنه ليذكر الأوروبيين ان الولايات المتحدة ماضية، معهم ومن دونهم، في توسيع التحالف الغربي الذي ما تزال تقوده عمليا رغم الاخفاقات التي اصابت مشاريعها العسكرية والسياسية .


والتبعية التي اعتادها الأوروبيون حيال الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية اثرت في رؤيتهم لأوروبا نفسها، هل تود ان تكون قوة اقتصادية فحسب فتترك المجهود العسكري، وبالتالي السياسي، على حليفتها الكبرى أم تسلك السبيل الذي توده فرنسا نحو بناء قوة أوروبية مستقلة تحافظ على علاقات ودية ولكن ندية مع حلفائها؟


انفجار يوغوسلافيا والازمات العراقية والكوسوفية والجيورجية - الروسية وغيرها برهنت على قصور واضح في الرؤية الأوروبية المشتركة الجيوستراتيجية في مقابل الأهداف الأمريكية المحددة والواضحة .


ورغم الوضوح الذي اتسمت به المواقف الأوروبية حيال الصراع العربي - “الاسرائيلي” لاسيما منذ اعلان البندقية الشهير في العام 1980 فان الافعال الأوروبية تقف عند حدود الرغبات الأمريكية المنحازة ايما انحياز الى الاحتلال “الاسرائيلي” . في الشرق الاوسط تبدو أوروبا مختلفة كليا في مواقفها عن الولايات المتحدة لكنها لا تحرك ساكنا لترجمة هذه المواقف المبدئية وتفعيلها فتبقى الغلبة لواشنطن التي ترك لها الأوروبيون مهمة “الوسيط” رغم معرفتهم بمدى ابتعادها عن النزاهة والحياد الضروريين للاستحواذ على مثل هذا الدور .


واذا نظرنا الى الخارطة العالمية نجد ان الاتحاد الأوروبي نسج فيه علاقات، اقتصادية وسياسية وأمنية وغيرها، أوسع بكثير مما فعلته الولايات المتحدة التي لا تستحوذ على ما يتمتع به الأوروبيون من مصداقية في اعين الكثير من شعوب ودول العالم . بداية هناك عدد لا بأس به من الدول، على غرار تركيا والمغرب واوكرانيا وجورجيا وغيرها، تتمنى الدخول في الاتحاد ومستعدة لتلبية شروط مثل هذا الانضمام . هذا الأخير وقع اتفاقات شراكة وتعاون مع روسيا ومع كل دول حوض المتوسط تقريبا واتفاقات امنية واقتصادية مع دول الخليج العربي واتفاقات تعاون ثنائية مع عدد كبير جدا من الدول الآسيوية وارتبط بخطة سلام وأمن مع دول الاتحاد الإفريقي وبالحوار الآسيوي - الأوروبي .


في عالم يتميز ب”القوة النسبية” بحسب تعبير عالم السياسة الفرنسي بيار هاسنر يملك الاتحاد الأوروبي القدرة على المساهمة في صياغة قواعد اللعبة على الساحة الدولية، أقله بسبب كونه السوق الاكبر في العالم والتجربة الاتحادية الاقليمية الفريدة في التاريخ والقائمة على قاعدة ديمقراطية توافقية . لكنه ان لم يتخلص من تبعيته حيال الولايات المتحدة فانه كما لو كان يساهم في عدم الاستقرار العالمي المستمر رغم انتهاء الحرب الباردة وفي غياب الحلول عن ازمات تهدد هذا الاستقرار في كل لحظة .

طباعــــة

إرســال

أضـف تعليــق

أضــف تعليـــق

عنوان التعليق
الاسم
البريد
تعليق
 

  تعليـــق

  آخر مقالات للكاتب

31/08/2010
من دروس الاشتباك بين حزب الله و" الأحباش"

24/08/2010
إعادة الإسلام إلى الجدل الانتخابي الأمريكي

15/08/2010
القضاء الدولي في أتون الحرب

09/08/2010
من معاني المواجهة الأخيرة بين الجيشين اللبناني و"الإسرائيلي"

02/08/2010
"س - س" وحماية السلم الأهلي في لبنان

 
 

  النشرة الدوريــة

   دليــل المدينة

  حالة الطقس

  مؤسسة تريم عمران للأعمال الثقافية والإنسانية

البريد
 

جائزة تريم عمران للصحافة

•مركز تريم عمران للتدريب والتطوير الإعلامي

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر © 2008