ثمة حاجة إلى الحذر في التعامل مع خطوة الاحتلال الأمريكي المسماة “إنهاء المهمات القتالية”، المعلنة أمس، في اليوم الأخير من أغسطس/آب ،2010 وتحديداً تجاه الكلام الذي يسوّق كأنه نهاية الاحتلال، أو ذلك الكلام المخادع حول أن العراق بهذه الخطوة يصير سيداً ومستقلاً، مع وجود عشرات آلاف الجنود والمرتزقة من بقايا الاحتلال في بلاد الرافدين .
“إنهاء المهمة” يطوي صفحة في سجل الاحتلال الأمريكي للعراق، لكنه لا يطوي السجل كله، حتى لو بقي بضع عشرات من الجند، وليس بضع عشرات الألوف كما الحال بدءاً من سبتمبر/أيلول الحالي . وأياً كان المسمى الذي يحمله هذا الوجود، أو الستار أو الشعار، فإنه يبقى وجوداً احتلالياً مازال يتحكم برقاب العراق والعراقيين، وبرقاب المنطقة العربية كلها فوق الأرض وتحتها .
الذين يبقيهم الاحتلال في العراق ليسوا سياحاً ولا مدرسين ولا فاعلي خير ولا مساعدين اجتماعيين . إنهم ضباط وجنود، وأسلحة يستخدمونها وقواعد عسكرية، وطائرات وآليات، وفوق هذا كله جيش من المرتزقة، وهؤلاء ارتكبوا ويرتكبون الجرائم، وفوقهم كلهم جيش من الاستخبارات، وهؤلاء أيضاً معروفة مهماتهم والأدوار التي يقومون بها وفضائحهم هم ومرتزقتهم تزكم الأنوف .
غزوا بلاد الرافدين تحت شعار “حرية العراق” فأسروه وخربوه ودمروه وقتلوه وهجروه وفتتوه . وإعلان أوباما وفريقه “إنهاء المهمات القتالية” هو مشهد مستنسخ لمشهد مماثل، ولكن بصورة مختلفة، قدمه الغازي جورج دبليو بوش عندما أعلن في أول مايو/أيار ،2003 أي بعد شهر وعشرة أيام على الغزو والاحتلال، “النصر” و”إنهاء العمليات القتالية الكبرى”، وبعدها حلّ ما حلّ بالعراق من كوارث .
الصفحة الجديدة التي يروّج لها الاحتلال، لن تكون إلا بعد فك أسر العراق كلياً، ورحيل آخر جندي، ووقف أية تدخلات من أمريكا ومن غير أمريكا في شؤون هذا البلد، ودفع تعويضات له ولشعبه عما لحق بهم من أذى في حق البشر والحجر معاً، وضرب حاضر العراق ومستقبله، وما تعرض له من نهب لثرواته .
“إنهاء المهمات القتالية” للاحتلال الأمريكي في العراق، يطوي صفحة سوداء في سجل أسود، وبقيت صفحات . إنها خطوة على طريق استعادة العراق حريته وسيادته، تمهيداً لاسترداد عافيته، وإعادة وضع نفسه على خارطة العالم المعاصر، وليس العصر الحجري الذي وعده به أهل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وكل تلك الشعارات الكاذبة التي رفعت قبل الغزو وبعده .