أشار بنك الكويت الوطني في موجزه الاقتصادي الأخير حول أسواق النفط وتطورات الميزانية الكويتية إلى أن أسعار النفط تعافت وعوضت معظم خسائرها بعد تراجعها الحاد في النصف الثاني من شهر يناير/ كانون الثاني الماضي . فقد ارتفع سعر برميل الخام الكويتي من مستواه المنخفض البالغ 9 .67 دولار للبرميل الذي سجله بداية شهر فبراير، إلى 75 دولارا في بداية شهر مارس الجاري، ليقترب بذلك من المستوى الأعلى له في 15 شهرا عند 3 .80 دولار للبرميل والذي سجله في منتصف يناير .
يعزى هذا الارتفاع في أسعار النفط، في جانب منه، إلى عوامل تحفيزية، إذ يبدو أن المتداولين غير راغبين في دفع أسعار النفط إلى الانخفاض كثيرا دون نطاق 70-80 دولارا للبرميل . كذلك، قد يعكس ارتفاع الأسعار القلق المتزايد الذي يلف التطلعات حول بعض العملات الرئيسية والسندات الحكومية- التي أشعلتها المخاوف من تعثر اليونان في سداد مديونيتها- ما حض المستثمرين على التحول إلى الأصول “الحقيقية”، ومن ضمنها النفط الخام . كما يرد بعض المحللين هذا الارتفاع إلى قرب حلول موسم الربيع الذي تقوم فيه مصافي التكرير في الولايات المتحدة ببناء مخزوناتهم، إلى جانب ارتفاع الطلب على الوقود النظيف، الأعلى كلفة .
كذلك الحال، لحظ الوطني أن أسعار الخامات المرجعية العالمية شهدت ارتفاعا ملحوظا في النصف الثاني من شهر فبراير . إذ عاد سعر مزيج غرب تكساس فوق مستوى 80 دولارا للبرميل في بداية شهر مارس، غير متأثر بارتفاع سعر صرف الدولار الأميركي والمعلومات التي تشير إلى ارتفاع مستوى المخزنات الأمريكية من الخام . وفي الوقت نفسه، شهد سعر مزيج برنت مسارا أكثر تقلبا قبل أن يقفل شهر فبراير الماضي عند 1 .76 دولار للبرميل، مرتفعا 9% من أدنى مستوى له في الآونة الأخيرة .
وكما كانت عليه الحال في الأشهر الأخيرة، واصل الفارق بين الأسعار الفورية وأسعار العقود المستقبلية تراجعه، بعدما وصل منذ عام إلى 30 دولارا للبرميل للعقود التي تستحق بنهاية العام 2012 . ويرى بعض المحللين أن الأسعار الفورية قد تعود خلال الأشهر المقبلة وتتجاوز أسعار العقود التي تستحق في الأجل القريب، الأمر الذي يعطي إشارة إلى تصاعد حالة التوازن في الأسواق . كما يشير أيضا، في نظر متداولي العقود الآجلة على الأقل، إلى أن أسعار النفط الحالية قد تشهد استقرارا في المدى المتوسط .
ورأى الوطني أن توجهات الأسعار الأخيرة تدعم توقعات المحللين بأن يشهد الطلب العالمي على النفط تعافيا قويا خلال 2010 . ويتمثل أحد العوامل بطول فترة الطقس البارد في النصف الشمالي من الكرة الأرضية، ما عزز الطلب على وقود التدفئة . وللشهر الثالث على التوالي، قام مركز دراسات الطاقة الدولية بمراجعة توقعاته للطلب على النفط للعام ،2010 ليصبح حجم الزيادة المتوقعة في هذا الطلب نحو 3 .1 مليون برميل يوميا، أي بما نسبته 7 .1%، بعدما كان يتوقع نموا في الطلب بمقدار 2 .1 مليون برميل يوميا قبل شهر . لكن المركز مازال يشدد على أن نسبة التغير في الطلب على النفط مقارنة مع 2009 ستواصل التباطؤ خلال العام الحالي، مع تقلص تأثير الضعف الحاد الذي شهده الطلب على النفط بداية العام الماضي عند المقارنة على أساس سنوي . وعلى نحو مماثل، رفعت وكالة الطاقة الدولية معدل النمو المتوقع للطلب على النفط- المتفائل أصلا- من 4 .1 مليون برميل يوميا (7 .1%) إلى 6 .1 مليون برميل يوميا (8 .1%) . ويعزى ذلك إلى التطلعات الإيجابية لصندوق النقد الدولي حول نمو الاقتصاد العالمي . وهذا التوقع يأخذ بعين الاعتبار تعافيا أبطأ في إنتاج النفط من داخل منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، والذي قد يعزى في جانب منه إلى ارتفاع المنافسة من جانب الغاز الطبيعي الأرخص خلال هذا العام .
وبحسب البيانات الصادرة عن أوبك، فإن إنتاج المنظمة من النفط الخام- باستثناء العراق- ارتفع في يناير للشهر العاشر على التوالي، بمقدار 148 ألف برميل يوميا ليبلغ 799 .26 مليون برميل يوميا . وبذلك، يكون الإنتاج قد ارتفع بنحو 1 .1 مليون برميل يوميا منذ شهر مارس من العام الماضي عندما سجل أدنى مستوى له . وبالإضافة إلى ذلك، فقد تسارعت وتيرة الارتفاع في يناير، لتكون الأكبر حجما منذ شهر مايو . وفي حال استمر عند مستواه الحالي خلال العام، فسيكون إنتاج أوبك بنهاية 2010 أعلى بنحو 572 ألف برميل يوميا مقارنة مع 2009 .
ورأى الوطني أنه على الرغم من الدعم الكبير الذي يبدو أن أسعار النفط تحظاه قرب مستوياتها الحالية، فإن احتمال أن يشهد العرض نموا ملحوظا هذا العام مازال يترك مجالا أمام ضعف الأسعار في وقت لاحق . إذ حتى لو أبقت أوبك إنتاجها من دون تغيير عند مستوياته الحالية، فإن نمو إنتاجها من الغاز الطبيعي المسال والارتفاع المتوقع بمقدار 3 .0 مليون برميل يوميا في الإنتاج من خارج أوبك قد يرفعا إجمالي العرض بنحو 3 .1 مليون برميل يوميا في 2010- أي قريبا من حجم الارتفاع في الطلب على النفط الذي يتوقعه مركز دراسات الطاقة الدولية . لكن مع ارتفاع الطلب فقط من مستواه الضعيف في العام الماضي، فقد يبقى مستوى تغطية المخزونات مرتفعا، ما من شأنه أن يدفع الأسعار إلى الانخفاض مجددا بحلول منتصف العام . وفي ظل هكذا سيناريو، رأى الوطني أن سعر برميل الخام الكويتي قد ينخفض بشكل تدريجي في النصف الثاني من العام الحالي، ليبلغ نحو 60 دولارا بحلول الربع الأول من العام 110g .
كما أشار تقرير البنك إلى أن ارتفاع الإنتاج من خارج أوبك بشكل إضافي قد يدفع الأسعار إلى الانخفاض أكثر . فالمشاريع النفطية الضخمة في البرازيل والولايات المتحدة وكندا وغانا وأستراليا يفترض أن تبدأ جميعها بالإنتاج هذا العام . وفي حال أضافت هذه المشاريع 2 .0 مليون برميل يوميا في ،2010 فإن حجم النمو في الإنتاج من خارج أوبك سيرتفع إلى 5 .0 مليون برميل يوميا . وبالتالي قد يأتي الانخفاض في الأسعار في النصف الثاني من العام الحالي أكثر حدة . وفي هذه الحال، رأى الوطني أن سعر برميل الخام الكويتي قد يتراجع إلى 64 دولارا في الربع الثالث من العام، قبل أن يتراوح بين 50 دولاراً و55 دولاراً مع بداية العام المقبل . لكن في حال قامت أوبك بسحب بعض إمداداتها من السوق استجابة لذلك، فذلك من شأنه أن يخفف من الضغوط على الأسعار .
وفي المقابل، يرى المحللون الأكثر تفاؤلا أن أسعار الخامات المرجعية قد ترتفع لتستقر في نطاق 80-90 دولارا للبرميل بعدما كانت تتحرك في نطاق 70-80 دولارا للبرميل في الأشهر الأخيرة . وبالنسبة لهؤلاء، فإن العام الحالي سيكون عام التحول الذي سيشهد تعافيا في الطلب قبل أن يبدأ إجمالي العرض العالمي بالتراجع مجددا في 2011 . وفي ظل هكذا سيناريو، ومع ارتفاع الطلب بمقدار 6 .1 مليون برميل يوميا الذي تتوقعه وكالة الطاقة الدولية، أشار الوطني إلى أن سعر برميل الخام الكويتي قد يرتفع بوتيرة مستقرة خلال العام الحالي، ليبلغ 83 دولارا بحلول الربع الأول من 2011 .