إستراحة الأسبوع
انتظار ها يطول لسنوات
الأبوة المتأخرة فرحة في العمر الجميل آخر تحديث:الجمعة ,30/07/2010
تحقيق: دعاء فاروق

1/1

الأبوة والأمومة من أقوى الروابط الإنسانية، وحنان الآباء والأمهات وخوفهم على أبنائهم رد فعل طبيعي للمحبة الفطرية التي تسكن قلوبهم تجاه صغارهم . هذه المحبة تتضاعف في حالة الإنجاب المتأخر سواء للزوج أو الزوجة فكلاهما يتذوق حلاوة هذه المشاعر في سن متأخرة، وفي حالات كثيرة يؤثر ذلك في ممارسة كل منهما للأبوة أو الأمومة .


صالح حسن يعبر عن مشاعره بالأبوة التي لم يذق طعمها إلا بعد أن تخطى الأربعين قائلاً: لم أرزق بالأطفال في بداية زواجي ولسنوات لظروف خارجة عن إرادتي، فقد تزوجت في سن الثالثة والثلاثين من عمري، لكن مشيئة الله أن زوجتي كانت غير قادرة على الإنجاب، ولأن ارتباطنا جاء بعد قصة حب اعتبرت هذا قدري ونصيبي معها واستمر زواجنا تسعة أعوام، ولأن عاطفة الأبوة لا تموت فكرت كثيراً بعد وصولي إلى الأربعين، أنني سأحرم للأبد من إحساس الأبوة وشعرت زوجتي بي ولمدة عامان ألحت علي في الزواج بأخرى للإنجاب، وفي النهاية تزوجت وبعد شهرين حملت زوجتي الجديدة ورزقت بابني الذي جاء بعد شوق طويل، ولا أستطيع أن أصف شعوري . مزيج من الفرحة والخوف والشفقة وأشياء كثيرة لا أستطيع وصفها، فأنا دائماً خائف أن أفقده ومشفق عليه أن يفقدني ولا يسعفني العمر لأكمل رسالتي معه، فقد أنجبته وأنا في سن متأخرة، وهذا ما يجعلني متلهفاً عليه باستمرار والآن عمره عامان وأشعر أنه كل حياتي .


أحمد صابر يحاول تفسير المشاعر المتداخلة للأبوة المتأخرة بوصفه أحد المارين بالتجربة قائلاً: رزقت بأول طفل وأنا في السادسة والخمسين من عمري، ولم يكن من المتوقع أن أصبح أباً في هذه السن، بل كانت مفاجئة انتظرتها سنوات، وتزوجت من أجلها أكثر من مرة حتى كدت أفقد الأمل، ولكني أنجبت بنتاً ولم أجرب شعور الأبوة من قبل، والتجربة في هذه المرحلة العمرية مختلفة، فالفرحة التي أعيشها لها طعم آخر فرحة من فقد الأمل ثم مجيئه على غير انتظار . أشعر أن روحاً جديدة دبت في داخلي منذ ميلاد ابنتي، وروحي معلقة بها وخوفي عليها يفوق أي أب، فهي كل حياتي لأنني لم أنجب بعدها وهي الآن في الخامسة من عمرها، وطبعاً تفكيري الدائم في أنني قد أتركها مبكراً يجعلني أعطيها فيضاً من الحنان والاهتمام، ربما لا أستطيع أن أفعل هذا طويلاً .


ويقول عيد ابراهيم إن زواجه المتأخر له أسباب خاصة ولكنه يتحدث عن أبوته باستفاضة وتأثر: تزوجت بعد الأربعين لأسباب لا داعي لذكرها وأنجبت ابني الأول بعد 14 شهراً من الزواج، وبعد أن جربت مشاعر الأبوة الشيء الوحيد الذي شعرت بالأسف عليه أنني حرمت من هذا الشعور الجميل لسنوات لهذا حاولت تعويض سنوات الحرمان مع أبنائي، فقد رزقت بابني الثاني بعد أخيه بعامين وأشعر أنني أختلف عن الآباء الآخرين وحتى طريقة تعاملي معهما فأنا صديق لهما أعيش عالمهما، وأستمتع به واصطحبهما معي في كل مكان تقريباً وأصبح هذا أمراً معروفاً لأصدقائي ومعارفي .


إذا كان هذا حال الرجل الذي ينجب في سن متأخرة، فما الوضع بالنسبة للمرأة خاصة وأن الطبيعة الفسيولوجية بالنسبة لها مختلفة، فالأمل في الإنجاب يضعف بمرور السنوات حتى يتلاشى تماماً، وهذا ما أكدته سوزان عبدالمنعم التي لم تتمكن من الإنجاب إلا وهي في الثالثة والأربعين من عمرها وتقول: أنجبت في هذه العمر وحملي كان طبيعياً وقبل ذلك لم أيأس من متابعة العلاج وكان الحمل بمثابة المعجزة أن أنجب طفلاً من الزيجة الثانية، فزيجتي الأولى انتهت بسبب عدم الإنجاب، لذا قررت أن تكون زيجتي الثانية من رجل منفصل وسبق له الإنجاب، وأشعر أن تجربتي في الأمومة مختلفة، وألاحظ هذا من أمور كثيرة فمثلاً عندما أصطحب طفلي للنادي أجد الأمهات يتركن أطفالهن يلعبون هنا وهناك وأحياناً ينشغلن عنهم، أما أنا فمن المستحيل أن تغيب عيني عن طفلي وإذا سقط على الأرض أشعر أن قلبي تحرك من مكانه وأهرع إليه مذعورة، حتى إن من حولي يندهشون من ردة فعلي، وهذا كله خارج عن إرادتي، فالطفل الذي يأتي بعد طول انتظار يكون حالة خاصة .


أشجان عبدالغني زوجة شابة تعيش هذه الحالة ولكن بالنسبة لزوجها وتقول: أنجبت ابنتي الأولى في سن السادسة والعشرين، وطفلي الثاني بعدها بعامين وداخلي شعور بالخوف الزائد عليهما، وهو شعور نقله زوجي لي فهو الآن في الواحدة والستين من عمره، وتزوج مرتين قبلي ولم يرزق بأولاد، وشاء الله أن أكون أنا أم ولديه وبعد الأبوة أصبح شخصاً مختلفاً فحتى عمله تأثر، فلم يعد نفس الشخص الذي يقضي أغلب وقته في عمله، وحتى شركته الخاصة ترك إدارتها لشقيقه، ويتابعها عبر الهاتف، ويفضل أن يقضي كل اليوم مع طفليه في البيت، أو في المتنزهات بالخارج، ودائماً يقول لي عملت كثيراً فطوال عمري وأنا أعمل والآن أريد أن أستمتع بالأبوة، وعندما يلعب معهما أشعر أنه أكثر طفولة منهم .


تتحدث فائزة محفوظ عن تجربتها مع الأمومة التي لم تتذوقها إلا بعد أن أتمت عامها الثامن والثلاثين قائلة: أعشق الأطفال وكان حلمي بعد الزواج إنجاب أربعة أبناء ولكن مشيئة الله أرادت ألا أنجب، وأكد الأطباء أن لدي مشكلة صحية، وكان زوجي صبوراً احتمل معي أكثر من 5 سنوات في العلاج إلى أن شعر باليأس وبدأ الوضع يتأزم بيننا وانتهينا بالطلاق، بعدها بعام تقريباً ارتبطت بزوجي الحالي وهو ابن خالتي وكان أرملاً ولديه ابنة ورضيت بنصيبي، ومارست أمومتي مع ابنة زوجي ولكن حكمة الله فاجأتني بالحمل بعد 6 سنوات من الزواج وانجبت ابنتي وهي الآن في السابعة من عمرها، ومن تجربتي أؤكد أن مشاعر الأمومة واحدة ولكنها عندما تأتي بعد شوق تكون المشاعر فيها خليط غريب لا أستطيع وصفه سوى أن روحي معلقة بابنتي، ولو استطعت أن ارافقها حتى إلى المدرسة لفعلت لأني لا أطيق فراقها .


سنوات من العطش


د . نرمين حسن أخصائية علم النفس تحدثت عن التفسير النفسي لهذا السلوك قائلة: هذه اللهفة أمر متوقع فأي شيء نحصل عليه بعد عناء يكون وقعه مختلفاً فما بال الأبناء وهم أقوى عاطفة في الوجود، وطبعاً بالنسبة لكل الآباء الغلاوة واحدة ومشاعر الأبوة لا تتغير ولكن ما نراه في حالة هؤلاء الأباء والأمهات الذين حرموا من الأبوة سنوات ثم عاشوها في سن متأخرة أشبه بإحساس يشبه الشعور بالارتواء بعد فترة طويلة، من العطش، فنجد هذه اللهفة التي تجعل الأب والأم يشعران بأن الابن الذي هو المركز الذي تدور حوله حياتهما كلها شيء يمكن أن يفقداه ويحرما منه بعد أن تذوقوا حلاوته وهو توهم بالخوف تتفاوت درجاته ويظهر في السلوك المبالغ فيه من الاهتمام والإحاطة بالعناية طوال الوقت، والالتصاق بالفعل واللهفة عليه وتدليله الزائد، وكلها عوامل نفسية، سببها الحرمان الطويل من هذه العاطفة الغريزية ومحاولة تعويضها .


يد فع ثمنها الأ بناء


ويشير د . سمير حسن أستاذ الطب النفسي إلى أن وقع هذه الحالة يكون أكثر وضوحاً على الأم ويفسر ذلك قائلاً: المرأة التي تزوجت متأخرة تعتبر نفسها في صراع مع الزمن من أجل الإنجاب وعندما يأتي مولودها إلى الحياة يتحول إلى درة نادرة بالنسبة لها فالحرمان من الأطفال حتى سن متأخرة يجعلها تعطي كل شيء للقادم المتأخر فربما يكون هذا الطفل الأمل الأخير لها في الأمومة والحياة العائلية، الأمر الذي يؤدي بدفعها لتكريس كل وقتها لجعله سعيداً .


وأضاف محذراً: الأثر السلبي هنا ربما يدفع ثمنه الطفل، لأن للتدليل حدوداً لا يمكن تجاوزها مهما كانت الظروف، فالأبوين لهما الحق في التعبير عن مشاعرهما الفياضة تجاه الطفل الذي رزقا به متأخراً في الحياة ولكن يجب أن يضعا في اعتبارهما أن الطفل ينمو ويكبر والتدليل أكثر من اللازم غير مقبول، بل مرفوض لأنه يفسد شخصية الطفل .


د . سامح رجب أخصائي علم النفس قال: هذا السلوك العاطفي المبالغ فيه من قبل الآباء والأمهات متوقع لأن عاطفة الأمومة والأبوة تكون عادة أقوى في الكبر، والدليل على ذلك أن الجد أو الجدة يتعلقان بالأحفاد أكثر بسبب كبرهما في السن وبلوغ عاطفة الأبوة والأمومة أوجها، ولكنه في النهاية يتعلق الأمر بالعامل النفسي ولهذا فردود الأفعال متباينة فالبعض يستقبل حدث الأبوة المتأخرة بلهفة، ولكن مع الوقت يهدأ ويؤدي دوره مع الأطفال بشكل طبيعي، والبعض تستمر حالة اللهفة معهم ويبالغون في عاطفتهم تجاه الطفل أو الأطفال الذين جاءوا في سن متأخرة، وهذا يظهر في طريقة تعاملهم معهم بالحنان الزائد والقلق والخوف وتلبية كل مطالبهم، وهذه كلها ردود أفعال نفسية تتحكم فيها التركيبة النفسية للأب والأم .

طباعــــة

إرســال

أضـف تعليــق

أخبار متعلقـــة

  
 

أضــف تعليـــق

عنوان التعليق
الاسم
البريد
تعليق
 

  تعليـــق

 بقية المواضيع

 
 

  النشرة الدوريــة

   دليــل المدينة

  حالة الطقس

  مؤسسة تريم عمران للأعمال الثقافية والإنسانية

البريد
 

جائزة تريم عمران للصحافة

•مركز تريم عمران للتدريب والتطوير الإعلامي

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر © 2008