كثر مؤخراً، وبخاصة بعد بروز توجه النظام التركي نحو المشرق، القائلون بأن الدور الإقليمي معقود لثلاث قوى: إيرانية، وتركية، و”إسرائيلية”، مع غياب أي دور عربي . ما يستدعي التساؤل فيما إذا كان القائلون بذلك يصدرون عن قراءة موضوعية للواقع الإقليمي بالشمول الوافي، أم عن قراءات سياسية أحادية البعد تسلط الأضواء على بعض ظواهره، وبخاصة العربية والصهيونية منها، وتكثف الظلال من حول بقيتها؟ وهل القراءات السياسية سليمة القصد والنية، أم أنها مشبوهة الدوافع والغايات؟ وهل القول بغياب الدور العربي الفاعل يستهدف تحفيز إرادة تغيير الواقع المأزوم وتجاوزه، أم أن مرادها تعميق مشاعر اليأس والإحباط، التي أصلتها ثقافة الهزيمة بفعل النقد اللاموضوعي المتوالي منذ نكسة 1967؟
وليس ينكر أن النظام الإقليمي العربي فاقد المنعة، وأن غالبية أنظمته القطرية تفتقر لاستقلال الإرادة، وشديدة التأثر في صناعة قراراتها بالمداخلات والضغوط وبخاصته الأمريكية . بل وهي متخلفة عن مواكبة التطور المتسارع اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً وثقافياً وعلمياً وتكنولوجياً، برغم توافر الموارد الطبيعية، والقدرات البشرية، والوفرة المالية، ومزايا الموقع الاستراتيجي، وتراكمات التراث العربي الإسلامي . ثم إن الأقطار العربية جميعها تعاني من قصور المؤسسات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وتدني مستوى الممارسة الديمقراطية إن وجدت، وغياب المشاركة وتداول السلطة، واحترام الحريات العامة والخاصة، والالتزام بشرعة حقوق الإنسان، وانعدام الشفافية، واستشراء الفساد على مختلف الصعد . فضلاً عن عدم استطاعة أي نظام عربي سد الفراغ الذي أحدثه تغييب دور مصر القومي بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد سنة ،1979 وهو الدور المعروف تاريخياً بتفعيل طاقات العرب وضبط نزاعاتهم اللامجدية .
غير أن هذه الظواهر سلبية التأثير على الدور القومي ليست كل ما في المشهد العربي الراهن، ولا هي حالت دون أن يكون للعرب دور إقليمي فاعل ومؤثر . إذ حين نعقد المقارنة بين ما كان إقليمياً قبل عقدين، وبين الواقع الإقليمي المعاش، يتضح أن ميزان القدرات والأدوار لم يعد مختلاً لصالح التحالف الأمريكي الصهيوني، بالقدر الذي كان عليه، غداة عقد مؤتمر مدريد سنة 1991 وفق إملاءات إدارة جورج بوش الأب واشتراطات اسحق شامير . وكان لقوى الممانعة والمقاومة الشعبية العربية الدور الأشد تأثيراً فيما طرأ على ميزان القدرات والأدوار الإقليمي من تغير كيفي خلال العقدين الأخيرين .
وصحيح أن العراق لما يزل محتلاً، والإدارة الأمريكية شديدة التأثير في صناعة قرارات نظامه الذي أقامته، وهي المتحكمة في مقدراته وبالذات النفطية منها، وأنها تستهدف تأصيل تبعيته واستغلاله بالقواعد شبه المدنية التي أرستها في أرجائه . إلا أنها برغم ما اقترفته من تدمير مؤسساته الوطنية، وما ترتب على اعتمادها “الفوضى الخلاقة” من تقتيل وتشريد الملايين من مواطنيه، فشلت فشلاً ذريعاً في تطويع إرادة شعبه الأبي، ولا هي استطاعت طمس هويته العربية، وإضعاف انتمائه لأمته، أو أنها قهرت إرادة مقاومته عروبية الالتزام، التي انطلقت في اليوم التالي لاحتلال بغداد صباح التاسع من ابريل/ نيسان 2003 .
وإن أرست الإدارة الأمريكية قواعد نظام المحاصصة العرقية والطائفية في العراق المحتل، إلا أنها فشلت في أن تجعله قاعدة لإقامة “الشرق الأوسط الكبير” المشكل من كانتونات عرقية وطائفية وجهوية تديرها “إسرائيل” في الفلك الأمريكي . وذلك بفعل المقاومة العراقية التي أجهضت الطموحات الامبراطورية للمحافظين الأمريكيين الجدد . وإن قيل ولكن الطموح لإقامة “الشرق الأوسط الجديد” بند أساسي في استراتيجية أوباما التي أعلنت مؤخراً، فقول لا ينفي استحالة تحققه عملياً في ضوء المتغيرات الإقليمية والدولية .
وحين يقول أولمرت في مؤتمر هرتسليا 2009: “علينا تفهم أن نظاماً قائماً على قومية ثنائية هو حقيقة في طور النشوء، ولن يمر كثير من الوقت حتى يغدو هذا المنحى خارجاً عن سيطرتنا”، ففي ذلك إقرار صريح بسقوط طموح أن تكون “إسرائيل” “دولة يهودية” . كما أن في ذلك إقراراً ضمنياً بالتطور الكيفي لصمود ومقاومة المواطنين العرب في الأرض المحتلة سنة 1948 ونضالهم ضد الممارسات العنصرية التي استهدفت وعيهم الوطني وانتماءهم القومي على مدى العقود الستة الماضية:
ولقد تعدد مؤخراً المسؤولون والمفكرون الأمريكيون القائلون إن “إسرائيل” لم تعد رصيداً استراتيجياً بقدر ما صارت عبئاً تاريخياً . وكثيرة هي المؤشرات على أنها تعيش مأزقاً وجودياً كنتيجة لتفاقم حدة التناقضات الثانوية بين مكونات التجمع الاستيطاني الصهيوني بعد صعود اليمين التلمودي من جهة، والعجز المتنامي في مواجهة المقاومة العربية الصاعدة من جهة ثانية، وانعكاسات ممارساتها الإجرامية على صورتها لدى الرأي العام العالمي من جهة ثالثة .
ومما سبق يتضح أن للمقاومة الشعبية العربية دوراً إقليمياً فاعلاً ومتنامي التأثير إقليمياً، بل وهو الأكثر تعبيراً عن إرادة الأمة العربية . وما كانت الإدارة الأمريكية وتوابعها الدولية والإقليمية لتعادي في غاية الشراسة قوى المقاومة لولا اعتبارها صاحبة الدور العربي الأشد خطورة على مصالحها وأداتها الصهيونية . ما يعني عدم واقعية كل حديث عن غياب دور العرب الإقليمي، بل وعدم مصداقية هذا الادعاء الذي يصب في قناة تعميق مشاعر اليأس والإحباط . ومن هنا تدرك خطورة القول إن ليس للعرب دور إقليمي، وبخاصة حين يصدر عن رموز فكرية معروفة بإنتمائها القومي .