ما من مدينة هي في قلب التاريخ، وهي مأوى الروح، وفيها يلتقي الإنسان بذاته ويخشع قلبه، وأسيرة احتلال في التاريخ الحديث إلا القدس .
ما من مدينة يمكن أن يُطلق عليها اليوم، وفي هذا الزمن الشقي واللامعقول “يتيمة الدهر” أو الصحيح، يتيمة العرب، إلا القدس .
ما من مدينة مكبّلة بآلة عسكرية ظالمة، وهي مدينة دينية ثقافية روحية وجمالية، ومرة ثانية في التاريخ الحديث، إلا القدس .
ما من مدينة جريحة تنادي بصوت جريح، وتتوجه في ندائها إلى ثلاثمائة مليون عربي وإلى ملايين أخرى من المسلمين، ولا يسمع صوتها أحد مثل ما يجري مع القدس .
ما من مدينة محتلة، والأقل حظاً في الشعر وفي اللغة الثقافية التي يهندسها الكتّاب ببلاغة دقيقة وحرص شديد على المصطلحات مثل القدس .
القدس، أغنية نحيلة وقصيدة لم يكتبها شاعر حتى الآن إلا بلغة الحنين والبكاء، وهي تحتاج إلى أكثر من ذلك، فهي تنزف، والجريح يحتاج إلى ضماد وإسعاف وعلاج، قبل اللفة، والقدس، وإن كانت “عروس عروبتنا” على منابر الخطابة والتضامن اللغوي الإنشائي . . تتألم أكثر مما تصغي، وتشدّ على جمرتها أكثر مما تصفق .
تقع القدس في فلسطين لمن لا يعرف الجغرافية .
والقدس سرّة التاريخ، وقلبه، وإناؤه الروحي الأول . . لمن لا يعرف التاريخ .
والقدس إلى اليمين من القلب، وإلى يساره، وهي في شمال الروح وفي جنوبها لمن لا يعرف ما هو الوجد والوجدان .
والقدس مدينة الرواية الأولى في سيرة الإنسان مع كينونته الروحية، وهي أرض الحرب المنتصرة دوماً بقوة الإرادة، أو، إرادة الرجال الذين شدّوا إليها العدّة والعتاد . . لمن لا يعرف الذاكرة، أو أن ذاكرته مثقوبة .
التعميم، حكم سيئ .
إن مساحات كبيرة من الذاكرة العربية ومن الضمير الثقافي ومن الوجدان العزيز المنتمي إلى أسوار وبوّابات هذه المدينة المقدسة . . هذه المساحات الحرة الغيورة والغاضبة يستقبلها قلب القدس ويبتسم إليها، فتصبح مدينة المدائن عروساً في مثل تلك اللحظة العربية المضيئة .
التعميم حكم سيئ . . نعم، ولكن التخصيص، أيضاً، ليس سيئاً دائماً .
على سبيل المثال، انتهت السنة المخصصة للقدس عاصمة للثقافة العربية، وفور انتهاء السنة، يجري الآن احتلال مدينة الروح من جديد، ويجري تجديد اغتيالها واغتصابها وتفكيك تاريخها الأرضي والشفوي والمدوّن بكل غطرسة وجنون .
. . فما الذي فعله أهلها أولاً من أجلها . . قبل أن نلوم الآخرين؟!
yosflooz@gmail .com