في إطار برنامج التبادل الفني الدولي الجديد، أطلق “تشكيل”، مبادرتين لإقامة واستضافة مجموعة فنانين وتم وضع البرنامج بالتعاون مع مؤسسة “وليوم” و”معهد جوته” في منطقة الخليج، وهما مؤسستان بارزتان في روما، وبرلين والإمارات، وذلك بدعم من مجموعة شلهوب وبالتعاون مع “سام بارداويل”، الباحث الزائر بكلية تيش للفنون في جامعة نيويورك والقائم على كلا المعرضين، حيث نفذت المبادرة الأولى في الفترة ما بين 3 و15 مايو/أيار، بالتعاون مع مؤسسة “فوندازيون - وليوم” في روما. حيث سافر 4 فنانين من دولة الإمارات إلى إيطاليا، بينما قضى كل من “أوجينو بيركوسي” و”إيفان سيفيك” و”مارينا باريس” و”الينتينو دييجو”، وهم جميعا فنانون متمرسون في روما، الفترة نفسها للعمل في استديوهات تشكيل في دبي، ففي تلك الأيام السبعة الأولى من الإقامة، قام الفنانون الايطاليون باستكشاف الثقافة والبيئة في دبي، ونتج خلالها تنفيذ مشاريع فنية في استديوهات “تشكيل”، والتي توجت بمعرض احتضن تلك الاعمال كنتيجة ابداعية تفاعلية لمشاهداتهم، حيث افتتح المعرض والذي حمل عنوان “سبيس - تاكيولار” في صالة عرض “تشكيل” يوم السبت 10 مايو/أيار، واستمر حتى 15 من الشهر نفسه، وتزامن ذلك مع تنظيم معرض شارك فيه فنانون من دولة الإمارات، ويعقد في “وليوم فوندازيون” في روما، وساعد في الإشراف عليه إيما نوبايل مينو.
وتم تنظيم الإقامة الثانية في الفترة ما بين 28 مايو/أيار و14 يونيو/حزيران. وكان من المقرر أن يسافر أربعة فنانين من الامارات إلى برلين ليكونوا في استضافة أكبر صالات العرض المعنية بالفن المعاصر في برلين “صالة إيمرسون”. ثم يحضر إلى دبي 4 فنانين، هم: كريستيان سيفرز، ومارك جرويستر، ورولف جيجولد، وسباستيان جرافي، حيث تتاح لهم فرصة استكشاف مظاهر البيئة والفن المحلي قبل إعداد عمل مبدئي يعكس انفعالهم الإبداعي للتجارب التي خاضوها، ونظم معرض “الاندماج” لعرض ما أنجزه الفنانون الأربعة في دبي، في صالة “تشكيل” في الفترة ما بين 4 و14 يونيو/حزيران، مع عرض متزامن لأعمال الفنانين الإماراتيين في صالة عرض “إيمرسون” في برلين.
ووفرت المبادرة فرصة لفتح الحوار بين الفنانين العاملين في الوطن العربي وأوروبا، لتمكينهم من اكتساب تفهم أكبر للبيئات التي يعمل فيها أقرانهم، وللتفكير في أوجه التشابه واحترام الاختلافات في ممارساتهم. وكان من المقرر أن تكون المبادرتان أولى الفرص الفريدة التي يوفرها “تشكيل” لتشجيع التفاعل والتعاون بين الفنانين المحليين والدوليين، والترويج لأعمال الفنانين في المنطقة كي تصل إلى أكبر عدد من الجمهور، حيث هدف “تشكيل” الذي تترأسه لطيفة بنت مكتوم و”جيل هويل” من خلال هذه البرامج المعدة، الى نشر الوعي الفني، واستئناف عملية التبادل الثقافي بين دولة الامارات والعالم، وبالتالي يخدم الهدف الاساسي الذي تقوم لأجله “استديوهات تشكيل” بتوفير ما من شأنه النهوض بالفن والثقافة البصرية في دولة الامارات، فلعملية التبادل دور كبير من خلال رصد مجريات الفنون حول العالم، لإثراء الساحة بكل ما هو جديد.. فالتبادل والاندماج هما فعلان إبداعيان متكاملان يعطيان انماطاً حديثة متنوعة ومتميزة، ففي مجال الفن البصري ارتبط تبادل الفنان بما حوله من امور سياسية، اخلاقية وثقافية بإنتاج اعمال لها علاقة بهذه الامور مناقشاً مسائل واقعية من خلال المنتج الفني الذي يفصح عن مدى تأثره في مختلف جوانب حياته، إضافة إلى رصد جوانب القضايا الانسانية، ليؤثر ويتأثر بكل ما يدور حوله، ويتجه بفنه وفكره الى خارج نطاق التسجيل للحدث والمشهد اليومي الملاصق له، فالارتباط الفكري بالثقافات العالمية بشكل عام بسطت سبله شبكات الاتصال السمعية والبصرية العصرية ودفعت به الى الاتجاه لإيجاد سبله تعبيرية مميزة، من ايصال فلسفته الفكرية وصياغاته التعبيرية الى افراد مجتمعه او المجتمعات الاخرى، فالتواصل بين ثقافة جماعة ما وأخرى لا يتوقف على الاختلاف عند مجال الجماعات الاجتماعية المتمايزة بل انه يظهر في صلب تكوين المجتمع الواحد حيث تظهر حالة الوقوف على خصوصية الوعي الذي يعكسه المجال الاجتماعي.
ونرى في معرض “الاندماج” ومن خلال الاعمال المقدمة أن العملية الابداعية للعمل الفني من تكوينات، وأشكال، واختزالات وايقاعات الألوان، كلها في حد ذاتها تربطها علاقة عامة بمكونات الشكل الفني، وبالرموز المستنبطة او المختزلة من صورة ذاكرة المكان، كل ذلك يشكل الوحدة البنائية للقيمة الابداعية في العمل الفني، هنا تماما تبدأ عملية التوازن في ذاكرة الفنان ومستوى تأثره بالمحيط، البيئة، المجتمع والأشياء المتواجدة في عالمه، وذلك عبر خياله أولاً ومن ثم التحقيق ويليه التنفيذ.. ومن الطبيعي ان نصف تلك الاعمال بأنها اعمال بيئية، فمن خلال التنوع والتعدد في الخامات والمواد المستخدمة التي جاءت من بيئات متشابهة، نؤكد هنا وصف الفنان بالباحث الدائم، فهو دائم البحث عن كل ما من شأنه ان يستوعب مفاهيم اعماله، لذا نرى ان هناك علاقة وثيقة بين ما يقدمه من طرح اجتماعي، وما تحمله لوحته من عناصر بيئية متمثلة في بساطة الانتاج. فالبيئة التي عاش فيها هؤلاء الفنانون أثرت على سطح اللوحة، لذلك نرى انها جزء منتظم في سياق أعمالهم الفنية.
ففي زوايا المعرض نرى عملاً لأوجينو بيركوسي، الذي قدم مجموعة لوحات بيضاء مينمال كتب عليها بصفائح الذهب، وتميزت أعمال أوجينو ببساطتها، وعمق مفهومها، حيث رمز الذهب لمدينة دبي التي امضى فيها فترة اسبوع، وقد كانت طريقة اوجينو في طلاء الكلمات باللون البني الخشبي ومن ثم تغطيتها بطبقات من الصفائح الذهبية، ترمز إلى تقاليد من ماضي ايطاليا، حيث دمج الفنان بيئته بما يحمله عن تقاليد موروثة في عمله، الذي ارتبط بالمكان وبفترة اقامته في مدينة دبي وبالتحديد في ند الشبا “تشكيل”، فمن الموروث المسلم به في ايطاليا انه ومع مرور السنوات، وبفعل تأثير العوامل المحيطة، قد يتغير لون الذهب وتترك فراغات بين طبقات الذهب، وبالتالي تظهر طبقة اللون البني، واذا ما اردنا الحديث عن تلك الكلمات التي احتوت على مفاهيم ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بأوجينو نفسه وبطريقة تفكيره التهكمية، فأغلب اعماله تحمل عناوين ومفاهيم كالموت والوهم، والزيف، والسراب، كل تلك المعاني العميقة تركت اثراً كبيراً في اعمال الفنان، ففي عمله حمل مفاهيم وحقائق الذهب المزيف، الوهم والسراب، وكل شي في عين اوجينو هو مجرد وهم وزيف. فأوجينو من الفنانين الأكثر نشاطاً في ايطاليا، وأعماله تجريبية ذات علاقة وطيدة بفن المينمال والفن المفاهيمي، وله العديد من الاعمال الأدائية.
أما إيفان سيفيك الذي قدم عملاً ادائياً، استمر هذا العمل التمثيلي لمدة ثلاث ساعات، حيث عرف ايفان بطريقته الفريدة في العرض، فهو يقوم بفن ال performance، وأيضا له أعمال فيديو توثيقية مصورة، ان ايفان يقوم بإنتاج ألعاب ديجتال كألعاب الفيديو الرقيمة، ويقوم بتمثيل دور المقاتل أو اللاعب المحارب، ويقوم بابتكار إرشادات خاصة بكل لعبة ويخلق نظاماً خاصاً بتلك اللعبة، ويخوض تلك اللعبة بجسده عبر الأداء التمثيلي، إلا انه في النهايه يخرج من اللعبة بخسارة، ونرى في عمله المعروض في صالة “تشكيل” أنه قام بابتكار لعبة رقمية نفذها بواسطة الفيديو وبرامج الكمبيوتر، وفي أثناء تواجده في استديوهات “تشكيل”، قام بأخذ العديد من الصور واللقطات لاماكن مميزة في امارة دبي، ليستخدمها خلفية متغيرة في عرض الفيديو، ويقوم ايفان خلال الاداء بتمثيل دور الفنان البطل، الذي يقوم بالرسم وكتابة كلمة ذهب “GOLD” على حوالي “100” قطعة كانفاس، مقاسها تقريبا “30*40سم”، وعلى ايفان ان ينهي هذا العدد من اللوحات خلال عرض الفيديو، فحين تصيح صفارة الإنذار يتوجب على الفنان حينها وضع اللوحة في مكان نقطة انطلاق الصفارة، الجدير بالذكر أن أعمال ايفان بما تحويه من مجهود جسدي وذهني يتطلب تفكيكاً وتحليلاً لنظام اللعبة، الا ان جميع اعماله حملت مفاهيم ذات رسالة انسانية.
وهناك في احدى زوايا الصالة نرى عملاً لمارينا باريس، حيث نفذت العمل من مشاهد لمباني وعمارات دبي الشاهقة، فأعمال مارينا لها علاقة وثيقة بالمكان والفراغ، فقد أخذت مارينا لقطات لصور من دبي، عرضتها على خمس شاشات فيديو، ثلاث منها تعرض مشهداً من امارة دبي حولتها الى رسوم واسكتشات تشبه الى حد كبير رسوم الهندسة المعمارية، ذات الخطوط المبسطة، فهي ربما أرادت أن تبسط لنا المشاهد ورغبت في إعادتها كما كانت عليه قبل تنفيذها لتصبح مجرد مبان مرسومة على اوراق المخططات المستقبلية، وهناك ايضا على الشاشتين الأخريين عرض لمشهد من روما ومشهد من سنغافورة، فأثناء العرض تهتز الصور المثبتة على الشاشة في لحظة زمنية معينة، تحدث تلك الاهتزازات في الشاشات الخمس جميعها في ذات الوقت. واهتمت اغلب أعمال مارينا بالفضاء وبالاخض فضاءات الأمكنة.
وأخيراً، نرى في غرفة تشبه الى حد ما المكاتب الادارية، عملاً لفالينتينو دييجو، والذي وصفت أعماله بالبساطة والتعقيد في ذات الوقت، ذلك لخلوها من التكلف، فأعماله قريبة الى فن المينمال، فهو يعيد صياغة المكان ويحول الاشياء بإعادة صياغتها وتركيبها إلى أعمال فنية، حيث يعرض عملاً ذا علاقة بالتكنولوجيا الحديثة، ففي فترة اقامة دييجو في “تشكيل” قام بتصوير مشاهد لأعمدة شبكة الاتصالات، ونفذ مباني كرتونية تشبه إلى حد كبير ما رآه في دبي، ومن ثم قام بتصويرها، والتي يظهر منذ الوهلة الاولى أنها مبانٍ حقيقية، وما يلفت الانتباه في أعمال دييجو هو ما تتسم به من سخرية وتهكم، فهو يطلب اعادة تنظيم غرفة العرض ليتم إزالة ما بها من المكاتب والطاولات، ومن ثم يقوم بإنتاج اعمال تركيبية بنفس أشكال خامات مواد المكاتب، حيث حوى العرض 4 طاولات صنعت من الخشب والالمنيوم، وتم استجلاب تلك المواد من اماكن تجارية في مدينة دبي، حيث استخدم دييجو مواد بيئية لرسم مشاهد من مخيلته للبيئة التي امضى فيها فترة اسبوع، وبالطبع تأثر بعمران وتكنولوجيا تلك المنطقة.