لم يكن إعلان وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلنتون أخيراً، والمتعلق باستئناف المفاوضات المباشرة بين السلطة الفلسطينية والدولة الصهيونية مفاجئاً”، من واقع أن طلبات الإدارة الأمريكية المنصبة على العرب سيُستجاب لها في نهاية المطاف، مهما بدت على وجوه السياسات المعنية علامات التمنع أو الاستهجان، وفي الوقت نفسه نرى أن “إسرائيل” لا تكترث لأي مطالب أمريكية حتى لو كانت من باب الاستهلاك الإعلامي الذي أدمنت عليه إدارة أوباما منذ بدء ولايتها الأولى .
لكن المستغرب في هذا الإعلان هو، أن الفلسطينيين ومن ورائهم السياسات المعنية، سيذهبون الى هذه المفاوضات من دون أي أساس يُذكر، بل إن هذه المفاوضات المباشرة، هي أساساً تأتي تتويجاً لإصرار حكومة نتنياهو على أن تكون المفاوضات مباشرة، وهي بالتالي تكون موافقة دامغة على الشروط “الإسرائيلية”، مثلما هي برهنت على أن الفلسطينيين والعرب المعنيين، ولمرات ومرات، لا يجدون آذاناً صاغية من لدن الإدارة الأمريكية بمختلف الحقب والمراحل، بينما تأخذ الإدارة الأمريكية بالشروط “الإسرائيلية”، بعدما تكون هذه الإدارة قد وضعت الجانب الفلسطيني والعربي تحت مطرقة ضغوطها .
إن هذه المفاوضات المباشرة، تُعد تنازلاً سلفاً من الجانب الفلسطيني والعربي، في حين هي تمثل مكسباً مجانياً ومبكراً حصلت عليه الدولة الصهيونية من دون تفاوض أو تقديم ما يوازيه في المقابل، حيث ان “إسرائيل” لم تقدم على إيقاف الاستيطان بشكل كامل، وإنما هي لجأت الى إيقاف شكلي وتحايلي ومرحلي محدود جداً، كما أنها رفضت أن تكون لهذه المفاوضات أي أسس محددة أو مذكورة، وعلى سبيل المثال لا الحصر أساس حدود عام ،1967 ويُستشف من ذلك، أن الفلسطينيين (سلطة محمود عباس) سيذهبون إلى هذه المفاوضات من دون بوصلة أسس، تحدد مسارهم ومطالبهم بشكل مبدئي ومحسوم، كما أنهم سيذهبون من دون ضمانات من الراعي الأمريكي الذي بات مشهوداً له بمواقف التراجع التي طبعت نهجه، من على شاكلة التراجع الذي قامت به إدارة أوباما في هذا المحور .
وبهذا الواقع، تكون هذه المفاوضات المباشرة استعراضية أكثر مما هي عملية، كونها بلا أسس تبنى عليها، الأمر الذي يترك المجال مفتوحا” للدولة الصهيونية، كي تقوم باختيار العناوين التي تناسبها، ومن ثم تطويرها وتجييرها وفقاً لأغراضها ومصالحها، خصوصاً وأن الفلسطينيين في هذه المفاوضات قد جُردوا من أسس وركائز قضيتهم العادلة، وأي قضية بدون أسس يتم التفاوض بشأنها، من الصعب على أصحابها ومن يقف وراءها، استيفاء حقها وإثبات شرعيتها .
فإذا كانت “إسرائيل” قد رفضت الأسس الدنيا مثل الإيقاف الكامل للاستيطان وحدود عام ،1967 فهل ستوافق على الأسس الأخرى مثل حق العودة واعتبار القدس الشرقية عاصمة الدولة الفلسطينية الموعودة0 . وغيرها؟
وعليه، ليس هناك نتائج مرجوة في حدها الأدنى للجانب الفلسطيني في مثل هذه المفاوضات، كما أن السياسات العربية في الوقت الحاضر متباعدة، ويسودها التشرذم والفرقة، وهي من هذا الواقع غير مهيأة لأداء دور مؤثر، يكون سندا” للمفاوض الفلسطيني، كي يكون نداً قوياً للمفاوض “الإسرائيلي” .
ولا تنتهي المواجع عند هذا الحد، إذ إن الفلسطينيين منقسمون أيضاً، وهذا الانقسام بطبيعة الحال لم يكن في صالح موقفهم وقضيتهم التي هي قضية العرب المركزية، ولايمكن من هذا الواقع المتردي ضعفاً، الذهاب إلى مفاوضات مباشرة وانتزاع الحقوق المشروعة من براثن الدولة الصهيونية التي باتت في هذا الواقع المزري، أحلاماً وتمنيات في أجواء السراب، فهل يكف الحالمون بمفاوضات السراب، عن الأحلام والتمني، ألم يقولوا: “وما نيل المطالب بالتمني0 . ولكن تؤخذ الدنيا غلابا”؟
rekabi@scs-net.org