إنها بداية البدايات، على حد تعبير أمين عام الأمم المتحدة بان كي مون، تمهيداً لعقد مؤتمر عالمي للبيئة في المكسيك خلال العام ،2010 بعدما أخفق مؤتمر كوبنهاغن في التوصل إلى اتفاق دولي ملزم للدول من أجل حماية البيئة من التلوث، والتخفيف من حالة الاحتباس الحراري.
لماذا الإخفاق؟
لأن مساومة حصلت بين الدول الصناعية على حرارة الأرض، أي أن يبقى الارتفاع في حدود 1،3 درجة مئوية. ولا التزام قانونياً من جانب الدول الصناعية، وخاصة الولايات المتحدة والصين بوصفهما أكبر مسبّبين للتلوث البيئي.
المراقبون لسير أعمال مؤتمر كوبنهاغن، الضخم في حضوره وتمثيله لمائة وثلاث وتسعين دولة، رأوا أن إعلانه النهائي هو نصف فشل، أو نصف اتفاق، أو هو اتفاق غير إلزامي، أو أنه مجرد إعلان سياسي! فما أسباب التعثّر في حماية كوكب الأرض والإنسان من التلوث والانحباس الحراري؟
كان أمين عام الأمم المتحدة أشار في تقريره السنوي منذ سنتين إلى أزمة التغير المناخي، أو أزمة البيئة الطبيعية. ورأى أنها أزمة معقّدة، ومولّدة لأزمات أخرى اقتصادية واجتماعية وأمنية، بل إنسانية. فالكوارث الطبيعية تستهلك الموارد والثروات، وتقتل أعداداً كبرى من الناس، فضلاً عن الصعوبات التنموية التي توجدها حاضراً ومستقبلاً، وأزمة الغذاء العالمية. بعد ذلك، انعقد مؤتمر بالي ليبحث في مسؤولية حماية البيئة الطبيعية. وتضمّن تقرير ذلك المؤتمر مؤشرات خطيرة بينها أن الدول الهشّة والضعيفة ستنفجر من الداخل تحت ضغط الاحتباس الحراري الشامل، وتراجع المساحة الزراعية واتساع دائرة التصحر والجفاف. ورأى التقرير أن التغير المناخي سيرفع درجة حرارة الكرة الأرضية في نهاية القرن الحالي ما بين درجتين وسبع درجات، مقارنة بما كانت عليه مع انطلاقة الثورة الصناعية.
وأشار تقرير بالي إلى ضرورة وضع آلية لضبط المناخ العالمي في موعد أقصاه بين 10 و15 سنة. ونظر بإيجابية إلى الدول الناشئة وخاصة الصين والهند، كما علّق أهمية على دور الاتحاد الأوروبي في حماية البيئة الطبيعية.
تتكرر التهديدات نفسها في مؤتمر كوبنهاغن بعد أكثر من سنة، من دون أن تحسم الموقف الدولي لجهة اتخاذ قرارات إلزامية تؤسّس لقانون دولي للبيئة، قانون يحدّد انبعاث الغازات الصناعية المسبّبة للاحتباس الحراري، قانون يفرض على الدول الصناعية وفي طليعتها كل من الولايات المتحدة والصين أجندة محدّدة في الإنتاج، ومبالغ محدّدة تُدفع للدول الفقيرة للعالم النامي.
تحاول الدول الصناعية المعنيّة إجراء مساومة على الأرقام، بدءاً من تخفيض كميات الغازات المنبعثة من المصانع، وصولاً إلى المساهمات المالية لحماية البيئة الطبيعية.
وعلى الرغم من البرنامج الرئاسي الأمريكي لباراك أوباما الداعي إلى حماية البيئة الطبيعية، وتنويع مصادر الطاقة من أجل هذا الهدف الإنساني، فإن الولايات المتحدة في كوبنهاغن لم تُذعن للإرادة العالمية، ولا تمكن المؤتمرون من إقناع القيادة الصينية بإخضاع مصانعها للرقابة الدولية. هكذا تستمر المساومة على البيئة الطبيعية ومعها الإنسان، وسط ادعاءات واهية بحل أزمة البطالة والأزمة المالية العالمية.
ما بين منطق المساومة ومنطق الإلزام، تستمر المفاوضات الدولية منذ العام 1992 تاريخ انعقاد مؤتمر ريو دي جانيرو للبيئة والتنمية الذي أسس للعلاقة الجدلية بين البيئة والتنمية. ثم انعقد مؤتمر كيوتو في اليابان سنة ،1997 الذي أدى إلى وضع بروتوكول عالمي لحماية البيئة الطبيعية من دون أن تلتزم به الولايات المتحدة. والنتيجة هي تهديد البيئة، ومعها الإنسان، بالفقر والمرض والموت.
هل يقلّ هذا الملف خطراً عن انتشار أسلحة الدمار الشامل بين الدول؟ إنها المادية المفرطة التي أسهمت ب “تسليع” الإنسان، كما الإنتاج الصناعي بعيداً من كرامته ومصالحه في الحياة الكريمة. وعليه فإن العالم يحتاج إلى شحنة من القيم الإنسانية قبل البحث بالاتفاقات الدولية.
إنها قيم حماية الأرض من التصحّر والجفاف، ومن ظاهرة تدمير الغابات، وتلويث الشواطئ والمياه السطحية والجوفية. إنها قيم حماية الإنسان من الاحتباس الحراري، وما يعنيه من ارتفاع درجة الحرارة وتهديد الحياة لسائر مخلوقات الله. إنها قيم التعاون الإنساني، وصون حقوق الإنسان كل إنسان كما أشار ميثاق الأمم المتحدة. أم أن الالتزام بهذا الميثاق شكلي من دون تنفيذ على أرض الواقع؟
نقرأ ونسمع كثيراً عن اتفاقات دولية لمكافحة الإرهاب، والحد من أعمال القتل والجريمة المنظمة، ومواجهة حالات التهريب ومخالفة القانون المحلي والدولي، أما تلويث كوكب الأرض، والعبث بأمنه بحجة المنفعة المادية، فإنهما محلّ مساومة دولية متكررة منذ مؤتمر ريو إلى اليوم. فمتى تتوقف هذه المساومة اللا إنسانية؟
وزير لبناني