الموهبة استعداد فطري لدى فرد يمتلك القدرات التي تؤهله لإنجاز بعض المهارات والوظائف، إلا أن هذه القدرات لا يمكن أن تنمو إلا في ظل بيئة ملائمة . ويتم اكتشاف الموهبة لدى الطفل منذ السنوات الأولى من عمره من خلال ميوله إلى عمل معين، وتقع على الأسرة مسؤولية اكتشاف مواهب أطفالها وباكتشافها تبدأ عملية تنميتها وتطويرها من خلال مؤسسات متخصصة، بالإضافة إلى تشجيع الأسرة، والسؤال الذي يطرح نفسه: من ينمي مواهب الأطفال؟ وهو ما حاولنا الإجابة عنه خلال التحقيق التالي:
تعددت وجهات النظر حول مسؤولية تنمية ورعاية مواهب الأطفال، فهناك من يلقي بمسؤولية تنمية ورعاية المواهب على أولياء الأمور والمدرسة، والبعض يرى أن المؤسسات المتخصصة في رعاية وتنمية مواهب الأطفال لا تتواصل مع المؤسسات التعليمية، ويبقى الطفل المتضرر الأكبر وتدفن موهبته منذ الصغر .
شيخة خميس المالكي مديرة روضة أطفال الإمارات بأبوظبي تقول: هناك العديد من الأطفال الذين استطاعت إدارة الروضة أن تكتشف مواهبهم وتعمل على تشكيل لجنة من المعلمات في تخصصات الرياضة، والفن والموسيقا، إلا أن هذه المواهب وبعد العناية بها من قبلهم تنتقل إلى المدرسة لكون الطفل ينتقل إلى بيئة دراسية جديدة .
وتضيف المالكي “دائماً ما يكون هناك تواصل وتنسيق بيننا كإدارة روضة وأولياء أمور الأطفال الموهوبين ونتعاون معهم على تنمية مواهب الأطفال والاهتمام بها، وهذا دفعنا إلى تكوين لجنة من معلماتنا في عدة تخصصات ليشرفن، ويطورن من مواهب الأطفال، وبجانب ذلك نخصص ملفاً للطالب الموهوب، يتضمن موهبته وقدراته لينتقل معه حينما يلتحق بالمدرسة، بالإضافة إلى أن المعلمات يقمن بإبلاغ المدرسة التي ينتقل إليها الطفل للتنبيه بأنه يمتلك موهبة معينة لتكون لديهم معرفة بهذا الأمر ولمتابعته، وهذا الملف ضروري لتتابع المدرسة التي تستقبل الطفل الموهوب والعمل على تنتمية وصقل قدراته .
مدير مدرسة حليمة السعدية للتعليم الأساسي (ح1) ظبية علي القمزي ترى أن رعاية وتنمية مواهب الأطفال لا يمكننا أن نعول عليها أو نخوض فيها إلا إذا كان هناك تكاتف ومشاركة من قبل أولياء أمور الطلبة الموهوبين والمدرسة أو الصرح التعليمي والمؤسسات المتخصصة برعاية المواهب، حيث توفر العناصر الثلاثة المسؤولة عن هذا الأمر، وهو ما يجعلنا نتفاءل خيراً بوجود مواهب من الممكن أن تظهر على السطح وتتميز وتستمر، ومن الممكن أن تظهر الموهبة لدى الطفل أو الطالب ويتميز فيها من خلال رعاية الأهل والمدرسة، إلا أن هذا لن يستمر إذا لم تكن هناك مؤسسات متخصصة في رعاية المواهب وتأهيلها بحيث يكون هذا الأمر على عاتقها ومن أولوياتها وأهدافها .
وتضيف القمزي “في كل عام نقوم بعملية اكتشاف وحصر المواهب المتميزة في مدرستنا من خلال مشروع قمنا به تحت اسم “أنامل المبدعين” وهو مشروع يبننى الموهوبات من طالباتنا، ونكتشف من خلاله كل عام مواهب جديدة للطالبات الجدد ونرعى المواهب التي تم اكتشافها، ونقوم من خلال المشروع يتبنى المواهب التي تمتلكها الطالبات ونخضعهن لاختبارات الذكاء، ونطبق على كل موهوبة البرنامج الخاص بها، وتتنوع المواهب التي نرعاها بين مواهب جديدة، ومواهب متعارف عليها، فمن المواهب الصعبة على الفتيات العزف على آلات النفخ والتي تحتاج إلى جهد وطاقة كبيرة، أما المواهب المتعارف عليها والتي نهتم برعايتها فهي الرسم والإبداعات الفنية، والعزف، والإنشاد وحفظ القرآن” .
مدير مدرسة التفوق للتعليم الأساسي (ح1) جمعة صالح الحوسني، يرى أن عملية التواصل بين المؤسسات التعليمية التي ينتقل إليها الطالب أو الموهوب هي الأساس في عملية تنمية الموهبة التي إذا تركت دون مواصلة ستتلاشى، مشيراً إلى أن في مدرسته عدداً من المواهب المتميزة في مجالات عدة كالرسم والموسيقا والحاسوب والقراءة، وتسعى المدرسة دائماً إلى تطوير هذه المواهب .
ويضيف “أنشأنا مركزاً للمواهب منذ عامين، مهمة كادره المتكون من معلمين متخصصين اكتشاف وتنمية المواهب لدى طلبة المدرسة، وقمنا بإنشاء المركز بجهودنا الذاتية من خلال المشاركة بين المعلمين بجهودهم وإدارة المدرسة وبالتعاون مع عدد من الموجهين الذين استفدنا من خبراتهم في هذا المجال، وقمنا بإعداد ملف خاص للطالب الموهوب بحيث ينتقل مع ملفه المدرسي حالما ينتقل إلى مدرسة أخرى بعد أن يتم تعليمه للصف الخامس لدينا .
أولياء أمور الموهوبين يرون أن التواصل بينهم وبين المؤسسات المختصة برعاية الموهوبين ضروري في تنمية المواهب، وأن المدرسة تبقى المؤسسة التعليمية بالشكل الرئيسي، وهي غير قادرة على رعاية وتنمية المواهب كونها تحمل مسؤوليات كثيرة وغير مكلفة أو متخصصة برعاية المواهب رغم مبادراتها في هذا المجال إلا أن إمكاناتها المحدودة والمحصورة في التعليم المنهجي هو الأمر الذي يحد من الاعتماد عليها من قبل أولياء الأمور في تنمية ورعاية مواهب أبنائهم .
علاء الدين المغربي، مهندس، تحدث عن موهبة ابنه عمرو الذي يهوى منذ صغره فك وتركيب الأشياء حسب رؤيته، فيقول: “عمرو منذ صغره يهوى تركيب الأشياء للخروج باختراعات من وجهة نظره، وبالرغم من كون موهبته صغيرة بصغر سنه إلا أننا لم نتوان كأسرة على تشجيعه بكلمات الإطراء والاعجاب بمخترعاته، وما نستطيع أن نقدمه لعمرو بحسب إمكاناتنا هو توفير الوقت والمكان له ليمارس موهبته” . وحول دور المدرسة والمؤسسات المختصة برعاية المواهب يقول: “المدرسة ليست المكان المناسب لتنمية المواهب، لأن إمكاناتها محدودة ولها مسؤولياتها في الجانب التعليمي .
أما وائل السيد، مدرس لغة إنجليزية في معهد التكنولوجيا التطبيقية في العين، فيتمنى وجود مؤسسات تتبنى مواهب الأطفال لئلا تتلاشى وتندثر هذه المواهب باكراً، حيث يرى أنه لو كان هناك تواصل بين المؤسسات المختصة بتنمية المواهب والمدرسة بحيث يبلغ الأهل بها لكان الأمر أفضل من الاعتماد في تنمية موهبة الطفل على البيت والمدرسة . ووائل أب لثلاثة أبناء من الموهوبين أحدهم سامر صاحب قدرة على الحفظ بشكل سريع ومتميز . ويقول: بدأت ألحظ موهبة ابني سامر منذ أن كان عمره 3 سنوات، وكنا كأسرة نشجعه في التواصل بتنمية موهبته من خلال دور والدته في الاهتمام به بشكل كبير، ومن خلال كلمات التشجيع والاعجاب التي نحاول أن نرددها دائماً على مسامعه، لنحفزه على التواصل وتقديم المزيد، وطبعاً تواصلنا مع مدرسته ومشاركته في المسابقات المدرسية أثر فيه كثيراً، إلا أنني أرى أن جهود المؤسسات المختصة برعاية المواهب ما زالت إلى الآن غير ظاهرة” .
مسؤولية مشتركة
مديرة مركز المواهب والإبداع في هيئة أبوظبي للثقافة والتراث فاطمة المرزوقي ترى أن المسؤولية مشتركة بين ثلاث أطراف هي: البيت والمدرسة والمراكز، ولهذه الأطراف الدور الكبير في تنمية ورعاية موهبة الطفل، إلا أن الإشكالية الحقيقية التي لمستها المرزوقي هي أن انشغال الكثير من الأهل بظروفهم، المحيطة وعدم استمراريتهم في تنمية مواهب أبنائهم، فهناك الكثير من أولياء الأمور الذين يبدون اهتمامهم بتنمية مواهب أطفالهم بحماس ولهفة بادئ الأمر، إلا أنهم ينقطعون بشكل مفاجئ بسبب انشغالاتهم الحياتية وعدم قدرتهم على الاستمرار وهذا ما يتسبب في اندثار الموهبة التي يحملها الطفل، ذلك أن الموهبة تحتاج إلى وقت طويل واهتمام حتى تصقل وتظهر بشكلها الأمثل .
وتقول “نقوم بالتنسيق مع منطقة أبوظبي التعليمية ومجلس أبوظبي للتعليم بشأن تنمية مواهب الأطفال الموهوبين في المدارس، والجهتان تقومان بدورهما في التنسيق مع المدارس المختلفة وترشيحها لنا، فترد لدينا عدد من مواهب أطفال المدارس أيام الدوام المدرسي من خلال تنظيمنا ورش عمل لهم في عدد من المجالات، فلدينا 200 طفل موهوب كل شهر . وبشأن الدورات التي يقدمها مركز المواهب والإبداع تقول المرزوقي “لدينا أربعة أفرع من الأنشطة التي نرى بها مواهب الأطفال المتقدمين لدينا، فلدينا دورات فنية تندرج تحتها موهبة رقص الباليه والرسم والخط العربي والأشغال الفنية اليدوية، ودورات تنمية وتثقيف الشخصية والتي تضم تنمية مهارات التفكير والإتيكيت، ودورة أنت متفوق، بالإضافة إلى دورة العبقري الصغير، وفي فرع اللغات نقوم بتدريب الأطفال على تعلم اللغتين العربية والفرنسية .