فضائيات وفنون
سينما مبهرة للعين محفزة للعقل
أفلام "حالة خاصة" آخر تحديث:الأربعاء ,03/02/2010
إعداد: عبير حسين

1/1

بعض الأفلام العالمية شكلت “حالة خاصة”، وأوجدت “مزاجاً عاماً” استمر لسنوات طويلة بعد عرضها، وكان ذلك نتيجة لتفاعل الملايين مع أحداثها التي تمنى الكثيرون لو اتيحت لهم الفرصة للدخول إليها، وللمشاركة فيها ومعايشة أحداثها والبقاء على مقربة من أبطالها، وعلى الرغم من أن معظمها من نوعية أفلام الخيال العلمي، إلا أنها بقدر ما أبهرت الناس سينمائياً بقدر ما ألهبت عقولهم، وعرضت  بطريقة أو بأخرى  لعيوبهم الخفية ودفعتهم لإعادة التفكير في واقعهم وحقيقتهم وأفكارهم ومدى صدق مخاوفهم .


من أهم الأفلام “العلامات” بتاريخ السينما، التي ارتبط بها الجمهور بعقله ووجدانه لفترات طويلة، فيلم “كينج كونج” الذي عرض بنسخته الأولى عام ،1933 “طرزان”، و”إي تي”، ومؤخراً “أفاتار” . وفي هذا التحقيق نستعرض هذه الأفلام ومدى تأثيرها في الجمهور .


عند إعداد جيمس كاميرون لرائعته “افاتار” كان واثقاً من أنه يقدم ثورة سينمائية، وتأريخاً جديداً للسينما يشبه إضافة الصوت إلى الأفلام الصامتة، والألوان للأبيض والأسود، لكنه بالتأكيد لم يتعمد إيجاد هذه الحالة النفسية التي انتابت الكثيرين ممن شاهدوا الفيلم وأصابهم الإحباط لعدم قدرتهم على العيش في كوكب مثل “باندورا”، وتضاعفت آلامهم في التأكد من أنه حتى لو اتيحت لهم الفرصة، فإن الإنسان بجبروته وطيشه سيفسد أي عالم مثالي سينتقل إليه .


أوجد كاميرون بفيلمه قوة تأثير خارقة على عقول مشاهديه تشبه الحلم الذي تراه وعيناك مفتوحتان، وفى الفيلم تشعر أنك لا تشاهد فقط غابات مضيئة ومخلوقات طيبة، وإنما أنت جزء منها . كل هذه الأشياء الرائعة تحيطك من كل جانب، لتصحو بمجرد نهاية الفيلم على الحقيقة المفزعة وهى أنك لا تزال هنا على كوكب الأرض المنهك بالحروب والصراعات والأزمات والتلوث، ويكون عليك التعامل مع الحقيقة المرة، وهى عدم وجود أمل في تغير الإنسان، الذي سيسعى إلى السيطرة على أي مكان وتدميره استغلالاً لثرواته بسبب طمعه الذي لانهاية له .


وبصرف النظر عن التأويلات الكثيرة التي فسرت أحداث الفيلم من أنه يقصد الاستعمار بكل عصوره الذي نهب ثروات أمم وشرد شعوباً، إلا أن المشاهد العادي المثبت بمقعده واضعاً نظارة البعد الثالث، لن تهمه أي إسقاطات على أمثلة وأمكنة، بل سيتأكد من حقيقة أن “الإنسان هو المخرب الأكبر” لأي مكان يعيش فيه، ويتأكد إحساسه عندما يقول بطل الفيلم “لقد قتل البشر أمهم الأرض” .


ويخرج المشاهد من الفيلم ولديه رغبة عارمة في عدم ترك المكان والعودة إلى مشاهدة الفيلم عدة مرات ليلقى بنفسه وسط كوكب باندورا، بغاباته الرائعة وجباله المعلقة بالسماء تتساقط المياه من شلالاتها، ويتمنى لو يتمكن من الاستلقاء تحت أشجاره المضيئة متحرراً من أي خوف، والحالة الوحيدة التي سيخاف فيها ستكون عند امتلاء الكوكب بالبشر، وهنا سيكون على كاميرون إبداع كوكب آخر أكثر جمالاً ومثالية ينتقل إليه الفارون من الأرض وباندورا .


ويمكن رصد هذه الحالة القوية التي أصابت كثير من جمهور الفيلم، عبر عدة مواقع إلكترونية أنشئت خصيصاً ليس فقط لتبادل الآراء والتعليقات المختلفة، بل لتقديم النصائح والإرشادات حول كيفية التغلب على حالة اليأس التي يشعر بها الجمهور، وأحد الحلول المقترحة هو الاستمرار بمشاهدة الفيلم، بمتوسط مرتين أسبوعياً، ثم مرة واحدة، والتقليل تدريجياً من مرات الذهاب إلى دور العرض، حتى تبدأ حالة اليأس في الانحسار تدريجياً .


أحد المولعين بالفيلم، قدم نصيحة أخرى، واعتبر التجول لدقائق معدودة حول أي دار عرض سينمائي بعد مشاهدة الفيلم تعتبر كافية “لإفاقة” المتفرج، وإعادته إلى واقعه المرير .


البعض الآخر اقترح عدم التحدث عن الفيلم وكوكب باندورا نهائياً، لتكون المعايشة وقتية، ولا يضطر الكثيرون للبحث عن أسباب وتفسير لما يحدث، بمعنى آخر “إراحة الذهن” من طرح الأسئلة عن كيف، ولماذا، وهل هناك أمل بإنقاذ شعب “النافي” وهي أكثر الأسئلة تداولاً عبر الإنترنت، والاكتفاء بقضاء وقت ممتع داخل الكوكب أثناء العرض السينمائي، وعدم اصطحابه مع المشاهدين في مخيلتهم لعقد مقارنات ظالمة بينه وبين واقعهم .


هذه الحالة التي  ولاشك  ستستمر لفترة ليست بالقصيرة، أكدت أن السينما بالفعل أصبحت أكثر الأدوات تأثيراً في تشكيل المشاعر والاتجاهات وإنها لم تعد وسيلة ربح مادي فقط، بل أداة مهمة لتحفيز العقل على إعادة التفكير .


وعلى الرغم من أن هناك أفلاماً أخرى أشاعت حالات “عامة” مماثلة عبر تاريخ السينما، إلا أن انتشار استخدام الإنترنت على نطاق واسع بالسنوات الأخيرة، سيكون سبباً رئيسياً في انتشار هذه الحالة المصاحبة لأفاتار، وستشمل أجزاء كبيرة وواسعة حول الأرض، ولن يتوقف الجدل حوله ربما لأشهر وسنوات .


“كينج كونج” بنسخته الأصلية الأولى التي أنتجت عام 1933 من إخراج ميريان كوبر، وارنست شويدساك، الذي استخدم وقتها مؤثرات خاصة تبدو اليوم بدائية  ولكنها أحدثت ثورة كبيرة وقتها  أشاع حالة كبيرة من التعاطف مع “وحش” يفترض أن يكون مصدر خطر على الإنسان، لكن كل من شاهد الفيلم ذرف الدموع في مشهد النهاية عندما يقاتل الوحش لإنقاذ حبيبته  التي لعبت دورها ببراعة الممثلة فاي راي  من السقوط من أعلى مبنى الأمباير ستايت بمدينة نيويورك، ويوصلها بسلام إلى ملاذ آمن، ويدفع هو حياته ثمناً لحبه .


الفيلم أوجد حالة من الرومانسية تتفق مع جمهور الثلاثينات، الذي تعاطف مع الغوريللا الذي كان يرغب في الاحتفاظ بالبطلة كرفيقة عمر لا كزوجة، إذ كان لدى المشاهدين ثقة من أن الوحش  المفترض أنه يتبع غرائزه  لم يكن ليخرج من الغابة ويخاطر بحياته باحثاً عن حبيبته في المدينة، لو كان يريدها مجرد زوجة، بل كان تمسكه بها روحي مثالي أكثر منه حسي، بل وصل البعض إلى ما هو ابعد من ذلك حيث ساد اعتقاد بأن الشرير دوماً هو الإنسان، هو المخادع الذي ذهب بالضحية إلى الغابة، فكان هو مصدر الشر والغدر، وليس الحيوان الذي منح حبيبته الأمان بمجرد تحرك مشاعره نحوها .


ولم تكن قصة “كينج كونج” جديدة، فهي نفس فكرة القصة الشهيرة “الجميلة والوحش” أو “بيوتى اند ذا بيست” التي قدمت لها معالجات مختلفة منذ ظهور السينما، لكن المتفرد في هذا الفيلم، إنه غير فكرة أو نمط الشر القبيح، لدى مشاهدي السينما، بمعنى أن الغوريللا قبيحة المنظر، لكنها تملك قلباً كبيراً، ووفاء عظيماً لمن أحبت، فتبعها باحثاً عنها، حتى وصل إلى ما يعتبر غابة بالنسبة له، فالوحش الضاري الذي يصارع نظراءه بالغابة فيقتلهم، لم يستطع النجاة في المدينة المتحضرة، وبذا انقلبت الفكرة، وبدأ الناس يتساءلون أين الأمان؟ وماذا فعلت الغوريللا ليكون مصيرها القتل؟ لقد كانت بطلتهم في محبسها بالغابة آمنة على حياتها لم يمسها سوء، في حين كانت عرضة للسقوط والقتل كل لحظة في مشهد النهاية، ولم تمثل أي أهمية للجنود الذين يطلقون النار من الطائرات على الوحش، الذي كان هدفه الأول حمايتها، وبالتالي أثار مشهد النهاية بالذات حالة عامة من التعاطف والحزن على “المحب” الذي لم يرتكب ذنباً سوى أنه أحب .


وكانت هذه الحالة سبباً في إعادة إنتاج نسخ جديدة من الفيلم بنفس الاسم في السبعينات وعام 2004 .


“طرزان” شخصية خيالية ظهرت لأول مرة العام 1912 على يد المؤلف ادجار بوريس بروايته “طرزان القردة”، ويعد من اشهر الشخصيات التي ظهرت في أفلام وكتب الأطفال وبرامج تلفزيونية وإذاعية ودعايات مختلفة، وبلغت شهرته الحد الذي جعل البعض مقتنعاً أنه شخصية حقيقية .


صرخة طرزان الشهيرة تعتبر إحدى أشهر الصيحات التي لا زالت متداولة حتى الآن، والتي كانت دمجاً ما بين عواء كلب وطبقات صوتية مختلفة لعدد من الأشخاص، هذه الشخصية القوية التي تبنتها الغوريللا “كالا” الطيبة بعد وفاة والديه، لم تنجح في التأقلم مع حياة المدينة في لندن، فعندما تزوج طرزان حبيبته جين، وتعلم سلوك البشر، وانتقل معها للحياة بالمدينة تاركاً الغابة، لم يستطع التأقلم مع المدنية، وفضل هو وزوجته العودة إلى أحضان الغابة، ونقاء الطبيعة بعيداً عن الازدواجية ونفاق المدينة .


وقتها ثارت حالة عدم رضا كبير لدى مشاهدي الفيلم عن واقعهم، وكشفت حقيقة مرة، وهي أن الحضارة التي يفخر الإنسان ببنائها، تفتقد للقيم والأخلاق اللازمة لتأمين معيشة أبنائه، وأن الغابة الموحشة كانت أماناً لطرزان وهو طفل لا يعي شيئاً، على حين طردته المدينة وهو ناضج قوى ترعب صيحته كل من بالغابة . وبالتالي أعاد الناس التفكير في حياتهم، وهل بالفعل نقلتهم الحضارة إلى مراتب أعلى، أم إنهم في حالة ركض مستمرة لتلبية متطلبات السباق اليومي لتوفير سبل المعيشة، لم يكن لديهم الوقت الكافي للتوقف، والتقاط الأنفاس، لمعرفة القيمة الحقيقية لما يحققونه .


أما فيلم “إي تي” الذي قدمه المخرج العالمي ستيفن سبيلبيرج بداية الثمانينات، فقد أثار حالة رائعة من ضرورة تقبل الآخر مهما كان مختلفاً عنا، وعلى حين أدرك هذه الحقيقة الطفل أليوت الذي عثر على هذا المخلوق الفضائي الغريب، وحاول مساعدته للعودة إلى كوكبه، لم يستطع الكبار  الذين يدعون الفهم وحسن التقدير  التعامل مع “إي تي” .


فحاولوا إخضاعه للتشريح ودراسته علمياً، وتعاملوا معه بنفس منطق الصياد والفريسة  .


ويعتبر هذا الفيلم بحق في روائع السينما ليس فقط إخراجاً وإبهاراً لكن أيضاً، بإثارته أفكار الناس وجدلهم، ومراجعاتهم عن المخاطر التي ستأتي من الفضاء، والسخرية من أي شكل للحياة خارج الأرض، وتصويرهم على أنهم غزاة، يهدفون إلى الفتك بالأرض ومن عليها، ليغير قوالب جامدة بالتفكير، ومعتقدات راسخة لدى الكثيرين أسسوها دون وعى كاف ومن دون معرفة حقيقية، فمن يستطيع الجزم بأن هناك حياة أخرى في الكون البعيد، وإذا وجدت لماذا نتصور أننا سنكون الأرقى منهم، وما هو المعيار الذي سنستخدمه للحكم على الرقي من عدمه؟


أسئلة كثيرة دفع بها الفيلم إلى أذهان مشاهديه فشكل منظومة رائعة من إمتاع العقل قبل العين .


كذلك انتشرت ولعدة سنوات طريقة التواصل بين “إي تي” والطفل إليوت -في الفيلم- عبر اللمس بالإصبح الواحد “السبابة” الذي يشع نوراً، فكانت هي طريقة إلقاء التحية بين معظم طلبة المدارس الصغار، الذين اعتبروها وسيلة رائعة للتواصل وأحسوا أن النور رمز للخير الموجود بداخل كل منهم، وعلى الرغم من نجاح “إي تي” الهائل إلا أن مخرجه رفض إعداد جزء ثان منه، حرصاً على أن تظل الصورة الجميلة للفيلم ماثلة بالأذهان لسنوات وعقود .

طباعــــة

إرســال

أضـف تعليــق

أخبار متعلقـــة

  
 

أضــف تعليـــق

عنوان التعليق
الاسم
البريد
تعليق
 

  تعليـــق

 بقية المواضيع

 
 

  النشرة الدوريــة

   دليــل المدينة

  حالة الطقس

  مؤسسة تريم عمران للأعمال الثقافية والإنسانية

البريد
 

جائزة تريم عمران للصحافة

•مركز تريم عمران للتدريب والتطوير الإعلامي

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر © 2008