الشمس وراء الجبل . القمر مشغول بممارسة هواية جمع الطوابع والمراسلة . البحر مسترسل في غواياته الزرقاء، خصوصاً توزيع الأمواج الصغيرة على المتفرجين الأزليين بالتساوي . الشجر يتقافز في المكان كعادته، ويتناول الكرات ويناولها، ثم يكسب في مباراة الجري، وتجاوز الحواجز، والرمي، والانتحار عشقاً . النهر يعود إلى الخلف لأنه لم يعد يثق في المستقبل، الهواء يتمادى في الجنون إلى نهايات العقل، وفي العقل إلى نهايات الافتتان . النار تتماسك حتى يمر الناجون إلى ضفافهم الأثيرة، أو حتى يمروا بأقل الخسائر . الصحراء تعود إلى الواجهة عودة الفاتحين وتسافر منذ الفجر الباكر على لحن حداء غير مسبوق . الصحراء تصرخ وسط طبيعتها، وتنادي الضائعين في أقاليم الليل والنهار . الصحراء تطارد كائناتها الراكضين وراء السراب ولم يعودوا . الصحراء تبني بيتها البعيد وتختفي فيه وكأنها سلحفاة أو نعامة . الصحراء تغزل الأسئلة والمواعيد، وتغازل أشباحاً غير واضحي الملامح . . الصحراء تركض عارية في الشارع العام، كاشفة عن كل الأخبار والأسرار . الصحراء تكتب في دفاترها القديمة حكاياتها الجديدة . الصحراء تتذكر ولا تنسى . الصحراء تنتظم في القلوب وكأنها عقد، وفي العقول وكأنها صفحة من رسوم الأطفال . الصحراء تركب على كتفيها جناحين وتطير، غير مكترثة بلهاث الطيور الصغيرة التي لا تكاد ترى . الصحراء تمطر وكأنها سماء . الصحراء تصحو فجأة، وتغيب في الغيبوبة فجأة ثم تعود فجأة إلى اليقظة والحياة . الصحراء وما أدراك . الصحراء حيث تأتلف صوتاً وصورة . لوناً وكوناً . أنشودة وأغنية وطريقاً . الصحراء المرتبة في طوابير الصباح، وفي الإذاعات المدرسية، وفي وله الصبايا العاشقات، وفي الرايات الدانية النائية، وفي المنايا والأمنيات . الصحراء المتكومة أبداً على نفسها، الجالسة القرفصاء منذ أول المساء حتى تلملم أطراف الوهم، أو تقصقص أطراف العمر . الصحراء في الطبيعة وللطبيعة، الصحراء السابحة في البركة الكونية، والفائزة، بلا ريب ودائماً، في كل مسابقات الحنين . الصحراء تتجمع في زاوية الغرفة وتقول المعلقات . الصحراء تقدم أسماءها وعناوينها دفعة واحدة . الصحراء تطلع وحدها على خشبة المسرح ولا تنسحب وتسدل الستار إلا بعد أن ينخرط الجمهور في النحيب . الصحراء تعود إلى الواجهة ولا تعود . الصحراء البادئة حيث البداية اكتظاظ المكان بالولادات، وحيث البداية شمس وقمر وبحر ونهر وحسرات ومصادفات .
habib20002@hotmail .com