يذهب غالبية مؤرخي فن السرد إلى القول بأن الرواية العربية نشأت بدءا من منتصف القرن التاسع عشر، بتأثير من فن الرواية الأوروبية . ويضطرهم هذا القول إلى الوقوف مليا أمام أنماط فنية عربية تراثية، كالقصص الديني، وسير الفروسية،و فن المقامة . . . والنظر في إمكان تمييزها عن هذا الشكل السردي الحديث (الرواية) . لذا كان لابد لهم من طرح السؤال: هل يمكن عَدُّ تلك الأشكال إرهاصا بظهور فن الرواية؟ بل هل يمكن عدها هي بذاتها نتاجا روائيا؟
حقا إنها أشكال فنية فريدة، لا نجد لها شبيها في نظام السرد الأوروبي . لكن في الوقت ذاته لا نستطيع القول إن فن الرواية العربية كما تجلى في المائة والخمسين عاما الأخيرة كان نتاجا لتطوير المقامة أو السيرة أو القصص . . .؛ لأنه أقرب في شكله لتقنية السرد كما تبلورت في الرواية الأوروبية منها إلى تقنيات السرد المقامي . . صحيح إن بعض النماذج الروائية العربية قد استثمرت فن المقامة، لكنها بمحدودية عددها، وتقنية بنائها . . .لا تسمح بأن تعد حصيلة تطوير داخلي لفن السرد التراثي العربي . ومن ثم يصح القول بأن ظهور هذا الشكل الأدبي (أي الرواية) راجع إلى علاقة المثاقفة التي اشتدت وتيرتها مع حضارة الغرب ونتاجها الثقافي في لحظة ما يسمى بالنهضة أو اليقظة العربية . وفي سياق توكيد هذه القراءة التاريخية يمكن أن نستحضر هنا ترجمة رفاعة رافع الطهطاوي لرواية فينيلون “مغامرات تليماك” عام 1867 كأول تَعَيُّنٍ يجسد نتاج لحظة بدء علاقة المثاقفة هذه .
هذا من جهة الترجمة كمسلك لانتقال الأدب الأوروبي وأشكاله الفنية إلى الاستقرار في الثقافة العربية؛ أما من جهة الإبداع، فتعد رواية سليم البستاني “الهيام في جنان الشام” (عام 1870) أول نص روائي عربي . لكن هذا النص كحالة أي إرهاص وبدء - لم يكن من حيث تقنياته الفنية على قدر من التطوير والانبناء يسمح بِعَدِّهِ شكلا روائيا متقوما بفنية السرد . لهذا نلاحظ أن أكثرية النقاد والمؤرخين يذهبون إلى القول بأن رواية “زينب” لمحمد حسين هيكل عام 1914 أول متن روائي عربي يمتثل فعلا لفنية السرد ويتقوم بتقنياته . والطريف في الأمر أن هيكل تحرج في الطبعة الأولى من التصريح باسمه، فصدرت الرواية مجهولة المؤلف، حيث وقعها باسم “فلاح مصري”، وفي ذلك تأكيد واضح على غربة هذا الشكل الفني .
وقد تتالى من بعد هيكل صدور العديد من النصوص الروائية التي تمظهرت بإتقان فنية السرد وقواعده . فقد تعاطى مع هذا الشكل الأدبي مختلف المشتغلين بحقل الأدب، كطه حسين والمازني وعباس محمود العقاد ويحيى حقي . . . إلا أن فترة الأربعينات والخمسينات ستبدو لحظة خصبة لميلاد روائيين متخصصين في صناعة السرد . فإذا كان أغلب جيل طه حسين والعقاد جيلا غير متخصص في تلك الصناعة، فإن الجيل الذي سيتلوه كان فيه من وقف كل إنتاجه تقريبا على تجريب هذا الشكل الفني ومقاربته، حيث ظهر نجيب محفوظ، ويوسف السباعي وإحسان عبد القدوس . . . ككتاب متخصصين في فن السرد، وقد تميز نتاج هذه اللحظة التاريخية بتجريب مختلف الموضوعات والأنماط، فظهرت الرواية التاريخية والواقعية والنفسية .
لكن هزيمة 1967 ستشكل نقلة نوعية في الوعي والذوق . حيث كان لِثِقْلِ الهزيمة وقعٌ خاص دفع إلى مسائلة السائد بشموليته أي السائد السياسي والثقافي على حد سواء . لذا ليس مستغربا أن نجد جيل الهزيمة يسائل حتى أشكال ونمطيات السرد، متجها إلى مغايرتها بأنماط وتقنيات جديدة . وهذا واضح في نتاج حنا مينه وإميل حبيبي وعبد الرحمن منيف وإدوار الخراط وجمال الغيطاني . . . بل حتى الجيل السابق سيشهد تحولا في ذوقه وتقنيات سرده، فنجيب محفوظ ما بعد الهزيمة ليس هو نفسه ما قبلها . فقد كانت نمطية الرواية ما قبل 67 تمتثل للقوالب الكلاسيكية المألوفة، مثل التموقع داخل أطر التيارات الفنية كالرومانسية والواقعية والتاريخية . . كما كانت من حيث تقنية الأداء ملتزمة بنظام السرد وبنياته مثل التركيز على شخصية البطل، والالتزام بنظام الحبكة وتقنيات الوصف المكاني، وانتظام الصيرورة الزمانية . . . وغيرها، بينما جاءت رواية ما بعد الهزيمة ثائرة على هذه القوالب والأشكال، حيث أصبح السرد التاريخي يحايثه التخييل، وغدا التأمل النفسي مدخولا بالسؤال الفلسفي، وأمسى الواقعي مشروخا بالصوفي . . وبذا تداخلت الأنماط والرؤى فصار المتن الروائي موغلا في التعقيد والتركيب .
Tayebbouazza@yahoo .fr