كأننا اليومَ في عصْرٍ للثرثرة! فالكلام الكثير يأتيك من كلِّ جانب، لا بل يحاصرك أينما حللْتَ أو رحلت . وكأن البشر كانوا في حاجةٍ إلى إطلاق العنان لألسنتهم وأقوالهم، فهُمْ لا يتأخرون عن أية فرصةٍ تتيح لهم المزيدَ، والمزيدَ من الكلام . وها هُمْ يجدون في تطوّر وسائل وتكاثرها وانتشارها مجالاً رحْباً، ربّما للتعبير عن تلك الحاجة التي أشرْنا إليها . ومن لا يملكون القدرة على التكلُّم عبْرَ وسائل الإعلام، فإنهم عبْرَ الاستماع والمشاهدة يعيشون في خضمِّ الكلام الذي لايتوقف . وقد يجدون في سيْل التعليقات والآراء والأخبار الذي يُصيبُهم في كلِّ يوم، بل يداهمهم حتى في غُرف النوم، قد يجدون فيه ما يجعلهم يشعرون بأنهم مشاركون في إنتاجه، خصوصاً أنه يأتيهم بكلِّ ما يمكن أنْ يشغل خواطرهم أو يدور في عقولهم .
قد يرى البعض في هذه الصورة التي قدّمناها إيجابياتٍ معيّنة . ويمكننا في المقابل أنْ نجدَ فيها سلبياتٍ كثيرة . من ذلك مثلاً أنّ الكلام الذي لا يتوقف عبْرَ وسائل الإعلام، والذي من شأنه أنْ يُوفِّرَ للمتلقّين أنواعاً من التسلية، من شأنه أنْ يعوِّدَهم على الكسل والسهولة والبلادة . من شأنه، بكلمةٍ أخرى، أنْ يجعلهم يقتنعون بكونهم متلقّين فقط، وأنْ يَحُدَّ بذلك من طاقاتهم في التفكير والتخيُّل .
ومن أبرز السلبيات في هذا المجال أنّ الثرثرة تؤدّي إلى احتقار الكلام أو الاستهانة به . فالكلام الذي لا يتوقف يتحوّل مع الوقت إلى كلامٍ نافلٍ في معظمه، يتحوّل إلى كلامٍ لا يقدِّم ولا يؤخِّر، أو بالأحرى إلى كلامٍ يمكن الاستغناء عنه . وفي كلِّ هذا ما يقود إلى الاستخفاف بِمسؤولية الكلام،أي إلى الاعتقاد بأنّ الكلامَ عملٌ غيرُ مسؤول، أو قليلُ المسؤولية في أحسن الأحوال .
ولكنّ أخطر السلبيات للثرثرة على الإطلاق يتمثّل بِما لها من انعكاساتٍ على الأدب . فما يظهر اليومَ عندنا، في الوطن العربي، من أعمالٍ أدبيةٍ نجدُهُ متأثّراً إلى حدٍّ كبيرٍ بالجوّ العام الذي يدور في حوْمةٍ للكلام، لا بداية لها ولا نهاية . والعمل الأدبي من حيث المبدأ نقيضٌ للكلام الزائد أو النافل .
يمكن القول إنّ كلَّ كلامٍ زائدٍ عن اللزوم في أيِّ عملٍ أدبيٍّ هو مفسَدةٌ له وحَطٌّ من قدْره، إذا كان له حظٌّ من القيمة أو القدْر . فكيف هو الحال بالنسبة إلى عملٍ أدبيٍّ لا يعدو كونه ثرثرةً أو كلاماً نافلاً؟ هل يظلُّ في هذه الحالة على ادِّعائه؟ هل يكون عملاً أدبياً؟ ألا تصبح تسميتُهُ بالعمل الأدبيّ ضرْباً من الافتراء أو الشطط أو السفاهة؟
وللأسف، فإن معظم المؤلفات العربية التي تصدر اليومَ باسم الأدب،أو تحت عنوان الأدب، وذلك في الشعر وفي الرواية وفي غيرهما .
من أكثر المجالات اتساعاً لأصناف الثرثرة . وقد بلغَ الاستسهالُ في كتابة الرواية عندنا حدّاً بعيداً جدّاً، فالكثير من الكتّاب يظنّون أنّهم يملكون القدرة على تأليف الرواية لمجرّد امتلاكهم الحكاية، متناسين أنّ الحكاية ليست سوى عنصرٍ قد يكون ثانوياً في العمل الروائي، وأنّ الأهمية الأولى في هذا العمل إنّما تعود إلى كيفية سرْد الحكاية، أي إلى المستوى الفنّي في نسْج الحبْكة الروائية وفي عرْض الأحداث وفي ابتكار الشخصيات .
من مظاهر الاستسهال أو التناسي أو الجهل أو الضعف أو الشطط، افتقارُ رواياتٍ عربيةٍ إلى الحدِّ الأدنى المطلوب توفُّرُهُ في أيِّ عملٍ أدبيّ، من هذه الروايات ما يفتقر إلى اللغة السليمة، أو إلى البناء الفني، أو إلى الرؤية الذكية أو الخيال اللمّاح . مثلُ هذه الروايات تكتفي بكونها سرْداً لا طائل تحته، لأنه لا ينطوي على شروطٍ فنيّةٍ كافية . وإذا كان لهذا السرْد أساسٌ أو منطلَقٌ صالح، فهو مطموسٌ تحت ركام الكلام الزائد .
في كلامنا هذا، لا ننطلق من تعريفٍ جاهزٍ ونهائيٍّ للأدب . فمثلُ هذا التعريف ليس موجوداً، ولن يوجدَ أبداً . فالأدبُ طاقةٌ وحيويةٌ وتطوّر . ولا يمكن للقواعد أو المواضعات أنْ تضعَ له حدوداً وضوابط . كذلك لا ننطلق في كلامنا هذا من رؤيةٍ جامدةٍ إلى الكتابة الروائية التي من حقِّها أنْ تنزعَ كغيرها من أنواع الكتابة الأدبية إلى أقصى ما يمكن من حرية التعبير والابتكار . وكلُّ ما رميْنا إليه هو تشخيصٌ لجانبٍ من جوانب واقعنا الأدبي، الذي بِتْنا نخشى على ما تبقّى فيه من نقاطٍ مضيئة . نخشى على هذه النقاط القليلة من الثرثرة المتعاظمة، التي راحتْ تشملُ المنابرَ والمنتديات ومرافق الحياة على أنواعها .