رأي ودراسات

البحـــث

    
شيء ما
القتل على الهواء مباشرة آخر تحديث:الجمعة ,09/01/2009

حسن مدن

 


 


في زمنٍ مضى كنا نسمع عن المجازر التي يرتكبها مجرمو الحروب من الإذاعة، أو نرى بعضها في صحف اليوم التالي.


الإذاعة لا تنقل تأوهات الألم، ولا أنين احتضار الضحايا، ومثلها لا تفعل ذلك الصور المنشورة في الجرائد، مهما كانت درجة البشاعة البادية في هذه الصور، وما تُحدثه في النفوس من آلام.


اليوم بتنا نرى هذه المجازر على الهواء مباشرة، بين ارتكاب جريمة القتل وبثها على الهواء ليس سوى ثوانٍ أو دقائق، بل انه بات بالوسع أن نرى الجريمة لحظة وقوعها مباشرة.


كل شيء أمامنا بالصوت والصورة، استغاثات الضحايا وبكاء الأمهات الثكالى، والفزع الذي تنطق به عيون الأطفال المرعوبين من الموت الذي يتربص بهم.


كُلنا يتذكر المشاهد المفجعة لقتل الطفل الشهيد محمد الدرة.


لقد قُتل في بثٍ مباشر على الهواء، كان الرصاص ينهال على جسده الغض أمام الكاميرا التي صورت أدق الدقائق.


ذوو الضمائر الحية في العالم استفظعوا ما رأوا، ومن كان منهم ذا بصيرة، وجد في ما رأى شاهد إثبات على همجية الصهيونية، نسخة العصر من النازية.


وزيرة الخارجية الأمريكية يومها مادلين أولبرايت قالت، هي الأخرى، إنها تألمت لمقتل الدرة، لكنها استدركت: “لا سبيل لتفادي هذه الأمور في الحروب”، في تبرير وقح للجريمة وللقتلة.


الصورة هي اليوم عماد ما بات يطلق عليه المجتمع الإعلامي، فهي تقدم نفسها كمرجعية أولى وأخيرة، لا يقاس على سواها.


العالم، ونحن ضمنه، بتنا نرى كل هذا على الهواء مباشرة، فيستثير ما يستثير في نفوسنا من ردود فعل غاضبة أو باكية.


لكن المخيف في أمر هذا التدفق الهائل لصور القتل والموت والتدمير، هو الخشية من أن يجعل من هذه المشاهد المكرورة أمراً اعتيادياً، فحين يرى المرء في اليوم الواحد مئات الجثث وآلاف الجرحى، والكثير من الأشلاء الممزقة، يبرز خطر أن يفقد تلقي مشهد الموت صدمته الأولى.


الباحثون في الإعلام يقولون إن المجتمعات الصناعية التي أنتجت الوسائل الإعلامية المتطورة قد دربت ردود فعل جمهورها على هذه الوسائل، ذلك أن ردود الفعل هذه قد مرت بمراحل ثلاث هي مرحلة الانبهار ومرحلة التعقل والرشد ثم مرحلة الإشباع.


حذار أن تصادر كثافة مشاهد القتل الهمجي على الشاشة بواعث الغضب.


 


drhmadan@hotmail.com

طباعــــة

إرســال

أضـف تعليــق

أضــف تعليـــق

عنوان التعليق
الاسم
البريد
تعليق
 

  تعليـــق

مقال رائع د حسن

حنان

التاريخ : 09-01-09 | الساعـة 08:25 ص

المقال رهيب لانه فعلا يوضح و يناقش من الناحيه الننفسيه الخطوره التي يمكن ان تتم من تكرار مشاهدالمجازرعلى التلفزيون دون أخذ قرار عربي حاسم تجاه ما يجري سلمت يداك وقلمك

 

  آخر مقالات للكاتب

17/03/2011
البقع السوداء

16/03/2011
هل سرق ابن خلدون المقدمة؟

15/03/2011
مَن أرادوا المرور فأقاموا

14/03/2011
صُناع الموت

13/03/2011
المسلمون والديمقراطية

 
 

  النشرة الدوريــة

   دليــل المدينة

  حالة الطقس

  مؤسسة تريم عمران للأعمال الثقافية والإنسانية

البريد
 

جائزة تريم عمران للصحافة

•مركز تريم عمران للتدريب والتطوير الإعلامي

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر © 2008