تقف فرنسا بأسرها حابسة أنفاسها لسماع آخر أخبار مغني الروك الشهير جوني هاليداي بعد أن تعرض لوعكة صحية صعبة ألمت به مؤخراً حيث اجريت له جراحة في عموده الفقري بفرنسا إلا أن مضاعفات العملية الجراحية تسببت في عودة هاليداي الى المستشفى ولكن في لوس انجلوس بالولايات المتحدة الأمريكية.
كان المغني والممثل الفرنسي جوني هاليداي البالغ من العمر 66 عاماً خضع لعمليتين جراحيتين هذه السنة لإصابته بسرطان القولون، واستقل الطائرة من باريس الى لوس انجلوس في الأول من ديسمبر/كانون الأول خلافاً لرأي اطبائه بعد أربعة أيام فقط على خضوعه للعلمية. وعانى هاليداي من أوجاع في الظهر خلال الرحلة واضطر الى مغادرة مطار لوس انجلوس على كرسي نقال، وتفاقمت أوجاعه الأمر الذي أدى الى ادخاله مستشفى سيدرز سيناي في بيفرلي هيلز الواقع في الحي الراقي الذي يسكنه عدد كبير من المشاهير غرب لوس انجلوس. وكان هاليداي ينوي تمضية رأس السنة في الشاليه الذي يملكه في غشتاد بسويسرا قبل أن يستأنف جولته “تور -66” وهي جولة تتضمن 24 حفلة بوتيرة مكثفة تصل الى حفلة يومياً.
ويبدو أن هاليداي كان يسعى من خلال جولته ان يبلغ أعلى درجات المجد وهو ليس بحاجة لذلك، لكنه كان يود أن يودع محبيه وجمهوره الذي ما يزال وفياً له منذ خمسة عقود. ويرى بعض المقربين من هاليداي أنها كانت جولة يغلب عليها طابع الهروب نحو الأمام أو الهروب من عنصر الزمن الذي يريد هاليداي أن يغلبه بعد أن بلغ السادسة والستين من العمر، ففي هذه السن يبدأ الإحساس بأمن الزمن آخذاً بالتسارع نحو النهاية وكأن هاليداي لا يريد لهذه النهاية أن تكون قريبة بهذا الشكل، لكن يبدو أن الدنيا لا تريد ان تمنح هاليداي كل شيء وتود أن تقول له إن لكل شيء نهاية. ويقول عنه الإعلامي الفرنسي الشهير ميشيل دروكير الذي يعرفه جيداً: “يا للأسف رأيته دائماً يبالغ في انهاك نفسه في اثناء الغناء والعزف وهذا أمر مفهوم عندما نكون في الثلاثين أو الاربعين، أما في سن الستين فالأمر يختلف، والجسم ليس آلة لا تقبل العطب فالجسد له علينا حق”.
وفي الرابع عشر من ديسمبر/كانون الأول، وفي الساعة العاشرة والنصف ليلاً وبعد أسبوع من دخوله في الغيبوبة عادت الحياة الى جوني هاليداي وكان ذلك بمثابة الفرحة الكبيرة بالنسبة لعائلته ومحبيه الذين عاشوا جميعهم لحظات من الانتظار المرير. وقد تحدث صديقه الموسيقار شارل ازنافور عن ذلك قائلاً: “لقد كانت خطوة سيئة في حياة هاليداي ولابد أن يرجع الى الأمر الواقع ليقبل بأن الأمور لن تعود كما كانت من قبل”. وها نحن نتساءل ما الذي أوصله الى هنا وهل كان عليه أن يتوقف عن السير في مشروع جولته الوداعية قبل ذلك، وهل كان بإمكانه أن يقول لا لجمهوره الذي ينتظره على أحر من الجمر؟ وهل اوقع هاليداي نفسه في ورطة المكابرة على العمر الذي بلغه وأوقع نفسه في خطأ طبي فادح بعد أن حذره الأطباء بضرورة الخلود الى الراحة عشية خضوعه لعملية جراحية في القولون.
يقول المراقبون الذين عرفوا هاليداي عن كثب بأن ثمة أمر مؤكد وهو أنه بالغ في العمل الى حد كبير فالشهور الأخيرة كانت بالنسبة إليه كالجندي في المعركة الذي يريد الوصول الى اقرب الحدود الممكنة مع العدو، بل ان الحماسة ألمت به الى درجة أنه كان يرفض الراحة علماً بأن بعض الأصدقاء صرحوا بأنه شعر يوماً اثناء احدى جولاته في قاعة النجوم بموناكو بالاعياء وأنه اقر بضرورة التأني في الغلواء لكن بعد فوات الأوان.
والواقع أن العدد الكبير من الجماهير الذي حضر لسماعه ومشاهدته وهو في ستاد دوفرانس بباريس والذي زاد على ال “70 ألف” شخص، ضاعف من همة هاليداي وقال هو بنفسه عن هذا الموقف: “أردت أن اعطي الجمهور افضل ما لدى جوني هاليداي.
ولكن كل شيء إذا ما تم نقص فقد كانت هذه الفورة الزائدة عن الحد ايذاناً بالخطر فبعد خمسة عشر يوماً من اشعال باريس بالحماسة، شعر هاليداي بألم في وركه الأمر الذي ابعده عن جمهوره لبعض الوقت حيث شوهد على متن يخت وهو يتألم من انزلاق في وركه جنوب فرنسا.
والحقيقة أن هذه الحادثة لم تكن الأولى بالنسبة لهاليداي فقبل 25 سنة عانى من الأعراض نفسها بسبب المبالغة في الوقوف على المسرح والعزف والجيتار معلق على كتفه.
ويشير بعض الأطباء الى أن هاليداي تأثر كثيراً بالموت المفاجئ للمغني مايكل جاكسون، وطالب الأطباء بأن يجروا له فحوصات كاملة وبالفعل كانت نتيجة هذه الفحوصات ان استأصلوا له أوراماً من القولون، لكن هاليداي كان يبدي أمام الجمهور شيئاً من اللامبالاة وتبسيط الأمور الى حد بعيد، لأنه كان كمن يريد أن يقول: “لن اتراجع وسأبقى قوياً، فالزمن يدهمه والشيخوخة له بالمرصاد وهو يحاول تحدي كل ذلك بجسارة، مع العلم أنه كان يدرك تماماً نتائج استنزاف جسده لكنه كان ينسى أو ربما يتناسى ضرورة أخذ قسط من الراحة ليتمكن من اكمال المشوار كما يريد.
وكان خضع في العام 2008 لعملية جراحية في ظهره جراء انزلاق في غضروف إحدى فقراته لكنه بعد 3 أيام من العملية كان في هونج كونج لتصوير فيلم “الثأر” لجوني تو علماً بأن عملية كهذه تحتاج الى فترة نقاهة طويلة.
ومن العمليات الجراحية التي خضع لها جوني هاليداي مؤخراً أي قبل دخوله الى مستشفى سيدرز سيناي بلوس انجلوس عملية في عينيه بسبب اعتام عدسة العين، لكن هذه العملية لم تمنعه من الذهاب الى مدينة دانكيرك بفرنسا ليغني لملكات جمال فرنسا فهل تراه واثقاً من نفسه الى هذا الحد أم أنه جنون العظمة؟
ربما نلمح رداً على هذا التساؤل من خلال التصريح التالي له مع مجلة لوفيجارو في العام 2006 حيث يقول: “عشت طويلاً وكان علي أن أموت من زمن طويل، لكني استطعت أن ابقى على قيد الحياة رغم كل الظروف القاسية والصعوبات المريرة في الحياة والدليل أنني لم ازل حياً يرزق.
وانتهى الحال بجوني هاليداي معتقداً بأنه لا يهزم بل جعل الآخرين يعتقدون بذلك فالدورة - 66 لم تتوقف كما كان متوقعاً في نهاية يوليو/تموز بموناكو ففي شهر مايو/أيار اعلن مدير انتاجه جون كلود كاموس بأن هذه الدورة الغنائية ستمدد حتى 13 فبراير/شباط برغبة من هاليداي نفسه الذي يقول قانونه في “الروك اند رول”: “أعدها ثانية”. وفي 22 نوفمبر/تشرين الثاني عانى من “حكة” خفيفة جعلته يعلن أمام الجمهور بشيء من الدعابة “لا تخافوا فأنا لست مصاباً بانفلونزا الخنازير واتمتع بصحة جيدة لكن الصحافة تقول دوماً الترهات”. لكن يبدو أن انقاذ ماء الوجه يبدو في بعض الأحيان صعباً بعض الشيء، ففي ليل 25 سبتمبر/ايلول لم يكن بإمكانه ان يخفي آلامه من وركه ولذا فقد تم الإعلان عن إلغاء حفلة بروكسل.
واعترف هاليداي أمام الجمهور أنه غنى في اورليان برغم أوجاع في ظهره وان احدى رجليه كانت مشلولة تماماً. وقال عنه الإعلامي ميشيل دروكير الشاهد العيان على الانهاك المستمر لجوني هاليداي: “كنت اعلم أنه يعاني من آلام مبرحة”.
ويضيف دروكير الذي يعتبر صديقاً مقرباً لهاليداي: “كانت مسحة الألم والحزن تظهر على ملامح هاليداي بسبب اشاعات تقول إنه انفصل عن لايتيسيا زوجته، كل ذلك كان يحرجه ويدفعه برغم تعاسته المرضية ان يعلن للجميع بأن كل شيء على ما يرام. ويشير روكير الى أن غالبية أمسياته الغنائية كان تسير ظاهرياً لأن هاليداي كان يتلقى قبل بدء الحفلات حقن الفولتارين المسكن للآلام وكذلك الكورتيزون، لقد كان الطب يساعده على التماسك بعض الشيء، لكن العزيمة والعنفوان كانا يدفعانه نحو الاستمرار وكان من المستحيل أن يصل الحال به كما كان يرى ان يغني أغاني عاطفية وهو على كرسي بلا ظهر أو كرسي للقدمين إلا أن الأحوال الصحية بلغت به حداً جعلته يرضخ للأمر الواقع فشدة الألم كانت لا تطاق، الأمر الذي جعله يخضع لعملية جراحية ثانية في الظهر على يد الطبيب الجراح ستيفان دولاجو في العيادة العالمية بباريس. ورغم تحذيرات الطبيب حول عدم السفر، طار هاليداي الى لوس انجلوس حيث تنتظره عائلته لكن طول مدة السفر “12 ساعة” جعلت الجراح تلتهب كثيراً الأمر الذي دفع سلطات المطار الى حمله على كرسي متحرك الى منزله. وعلى مدى أيام حاول الأطباء والممرضات الاعتناء بجرحه لكنه كان يزداد التهاباً ويضاعف آلامه وهذا ما جعل زوجته لايتيسيا تطالب بسرعة نقله الى المستشفى حيث قرر الأطباء الأمريكيون ضرورة خضوعه لعملية جراحية جديدة ولكن بعد اخضاعه لغيبوبة اصطناعية بغية التخفيف من آلامه المبرحة. وعلى مدى 4 أيام غط جوني هاليداي بنوم عميق وعندما استفاق من سباته كانت أول كلمات يرددها عادت الأمور الى مجراها فهيا بنا نذهب. وربما نستطيع أن نفهم رد فعل جوني هاليداي هذا من خلال أحاديث اصدقائه الذين كانوا ينتظرون عودته الى الحياة من تلك الغفوة الاصطناعية، فالمغني باتريك برويل يقول: “إنه كائن قادم من كوكب آخر” وهذا رجل الأعمال جون كلود دارمون الصديق المقرب جداً من العائلة يردد الكلمة نفسها “كائن خارق” فكيف لا يكون جون هاليداي بالرجل العنيد أو الكائن القادم من كوكب آخر وهو يغط في غيبوبة ويريد أن يعتلي خشبة المسرح.
ولعل لايتيسيا هاليداي هي أكثر من عانى من مرض زوجها فمن يراه الآن لابد أنه سيفاجأ بذلك الفتور الذي اعتلى ملامحها البهية التي اشتهرت بها، كيف لا وقد هزلت في الآونة الأخيرة كثيراً وصارت لا ترتدي إلا الأسود ولا تكاد ترفع النظارات عن عينيها حتى لا تظهر مدى الاعياء الذي أصاب وجهها من شدة تفكيرها وخوفها على هاليداي، فها هي للمرة الثالثة في حياتها حسب حديثها لمجلة “ايل الفرنسية” تقول إنها قضت جزءاً كبيراً من حياتها وهي تعالج والدها ثم اخاها وها هي الآن تعود لتقف الى جانب زوجها جوني الذي لا تعتبره مهماً بالنسبة لها فقط، بل له أهميته على صعيد الوطن “فرنسا” كما قالت، لأن فقدانه سيكون بمثابة المأساة الوطنية الحقيقية.