حدثان أساسيان طرآ في الأسبوع الماضي، بدلا من مسار الأمور، وأخرجا المشهد السياسي الحكومي من خانة “التعطيل” الذي كان سمة هذا المشهد منذ ولادة حكومة الوحدة الوطنية قبل ما يقارب الأشهر الأربعة .
الحدث الأول تمثل بنجاح الحكومة بإصدار دفعة أولى من التعيينات الإدارية .
وإذا كان أمراً عادياً وروتينياً ان تصدر أي حكومة تعيينات وتشكلات ادارية لتسيير عمل الدولة ومؤسساتها فإن الأمر في بيروت يكاد يكون له معنى استثنائي .
من المعلوم أن حكومة الوحدة الوطنية برئاسة الرئيس سعد الدين الحريري بدت في الأشهر الثلاثة الأولى من انطلاقتها معطلة ومكبلة، مما أعاد إلى الأذهان تجربتي حكومتي الرئيس فؤاد السنيورة السابقتين، خصوصاً أن الحكومة الحالية قصّرت عن انجاز الكثير مما هو مطلوب منها بشكل سريع وملح، فلا هي أقرت الموازنة ولا هي أنجزت الاستعدادات اللازمة لتحقيق انتخابات المجالس البلدية والاختيارية ولا هي ايضاً أعادت بعث الحياة في جسم الدولة اللبنانية ومؤسساتها، من خلال ملء الشواغر فيها .
ومن المعروف أن هذا القصور الحكومي أثر سلباً على موقع رئيس الحكومة الذي شاء أن يبدأ تجربته الأولى برئاسة الحكومة، بانطلاقة مميزة ومثمرة . لذا لم يكن غريباً أن يطلق الرئيس الحريري في الأيام القليلة الماضية اكثر من صرخة احتجاج واعتراض على هذا المسار التعطيلي لحكومته .
وعليه فقط كانت خطوة “الإفراج” عن الدفعة الأولى من التعيينات القضائية والمالية على وجه الخصوص، خطوة لا بد منها، لإزالة صفة العجز التي لازمت الحكومة منذ ولادتها ودفعت الكثيرين إلى التكهن سلفاً بأن هذا الواقع سيطول اكثر مما يتوقع، انطلاقاً من حسابات متعددة .
وبالتالي كانت هذه الخطوة “بشارة” بالنسبة للكثيرين من المراقبين الذين بدأوا فور انجازها في رحلة بحث وتقص عن الابعاد والخلفيات الحقيقية لهذا “التحول”، سيما أن صدور التعيينات إياها من مجلس الوزراء سببت “تصدعاً” داخل “خيمة” وزراء المعارضة الذين انقسموا إلى ثلاثة فرقاء . فبعضهم اقترع لصالح صدور هذه التعيينات (وزراء حركة “أمل” الثلاثة) والبعض الآخر (وزيرا حزب الله) امتنعوا عن التصويت فيما صوت ثلاثة وزراء من “التيار العوني” ضد التعيينات، بينما صوت
وزير رابع (وزير حزب الطاشناق الأرمني) مع التعيينات .
إضافة إلى ذلك فإن اللافت في الأمر أيضاً كان أن يتم اللجوء إلى التصويت على قرارات ذات طابع إداري في مجلس الوزراء، فهي تكاد تكون سابقة من نوعها .
وعليه فإن التساؤلات حول ابعاد هذه تركزت بشكل أساسي حول خفايا موقف “حزب الله”، بالذات ودلالاته . فثمة في الكواليس السياسية في بيروت كلام عن أن ثمة “تفاهماً” غير معلن بدأ يسري بين “حزب الله” وبين الرئيس الحريري حول الكثير من الملفات ذات الطبيعة المستقبلية، خصوصاً وأن ثمة معلومات تقول إن الرئيس الحريري بادر وزير “حزب الله” محمد فنيش لدى امتناع وزيري الحزب عن التصويت على قرارات التعيين بالقول: “ما الذي حصل فعلى حد علمي نحن متفاهمان”، فرد فنيش بالقول: “نحن متفاهمان على المبدأ وليس على التفاصيل” .
وفي كل الأحوال، يبدو جلياً وحسب أكثر من مصدر أن “حزب الله” يريد فعلاً أن يرسي أسس تعاطٍ مختلف مع الحريري ومع حكومته، لا سيما بعد أن أعلن الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله أكثر من مرة الرغبة باعطاء الحكومة الجديدة فرصة، من خلال تكريس “هدنة” سياسية من شأنها أن تفتح الأبواب أمام تسيير شؤون البلاد والعباد .
. . ولا ريب أن في بيروت من أخذ هذا “الموقف الإيجابي” الجديد للحزب مع الحريري إلى أبعد من مسألة التعاون في المجالات ذات الطابع الاداري والاقتصادي والسياسي إلى إرساء أسس تفاهم خفي حول قضايا وملفات أكثر عمقاً . لا بل إن في بيروت من بدأ يتحدث عن إمكانية أن تتكرر بين الحزب وبين الرئيس الحريري التجربة التي كانت سابقاً بين الحزب والرئيس الشهيد رفيق الحريري .
ومع أن مصادر ذات الصلة بالطرفين تنفي كل ذلك، إلا أن الواضح أن للحزب مصلحة كبرى في ألا يظهر من الآن فصاعداً بمظهر المعرقل لعمل الحكومة والمعطل لقراراتها، ويريد ثانياً أن يستكمل فصول “المصالحة” التي بدأها منذ فترة مع جمهور الرئيس الحريري وتيار “المستقبل” والتي تتجلى عملياً في الكثير من الخطوات والاجراءات على الأرض . وفي المقابل فإن من الواضح أيضاً أن الرئيس الحريري يريد ضمناً فتح صفحة جديدة مع “حزب الله” وجمهوره، ولو من دون الإعلان عن ذلك، ولقد تبدى ذلك في أمر أساسي وهو كف الرموز المحسوبة على الرئيس الحريري عن مسألة التصويب على سلاح “حزب الله” . وأيضاً فإن للحزب ولكل القوى المتحالفة معه مصلحة في أن لا تصبح حكومات الوحدة الوطنية التي يشاركون فيها مرادفة للشلل والتعطيل . وفوق هذا وذاك، يريد الحزب من خلال هذا السلوك السياسي الجديد أن يظهر أنه جزء من الدولة، والعملية السياسية والادارية فيها وليس متمرداً أو خارجاً عليها .
وعموماً فالواضح ان التوجهات لدى مختلف الأفرقاء في بيروت هي في إنجاح تجربة حكومة الوحدة الوطنية أو إعطائها فرصة للعمل والإنتاج ولو بالحد الأدنى . وحيال ذلك فإن السؤال المطروح هو: هل يسمح هذا التوجه الجديد في إنجاز أمرين ملحين هما: الانتخابات البلدية والاختيارية، وإقرار الموازنة العامة للبلاد ؟
الواضح أن رئيس مجلس النواب نبيه بري يشعر بعد ان تم تحويل قانون الاصلاحات المتصل بالانتخابات البلدية والاختيارية إلى ميدانه أي إلى مجلس النواب، قد أبلغ من يعنيهم الأمر أمرين أساسيين، الأول أنه يشعر بأن مختلف الأفرقاء يريدون ضمناً تأخر هذه الانتخابات لبعض الوقت أو عدم إجرائها في الوقت الحاضر، والثاني أنه لا يريد أن يتحمل المسؤولية لوحده، فإن كان لا بد من التأجيل فليكن ضمن تفاهم عام مبرر .
وفي كل الأحوال يبدو أن مصير إجراء الانتخابات البلدية والاختيارية مازال غامضاً، فليس في مقدور أحد في بيروت أن يحسم الأمر، وأن يرجح كفة على أخرى .
أما إقرار الموازنة العامة فالواضح أن ثمة توجهاً لدى الرئيس الحريري للسعي لإقرارها في القريب العاجل، لأن عدم إقرارها، سيفضي إلى وصم حكومته بالعجز والقصور، ويبدو أن مختلف الأطراف ستوافق في خاتمة المطاف على امرار هذه الموازنة .
أما الحدث الثاني الذي هز السكون النسبي للمشهد السياسي في لبنان فقد تمثل في دعوة رئيس الجمهورية ميشال سليمان طاولة الحوار الوطني إلى الانعقاد مجدداً . والمعلوم أن ثمة ردود فعل معترضة ظهرت حول شكل هذه الطاولة، إضافة إلى المدعوين إليها من قوى المعارضة والموالاة على حد سواء .
ولكن الواضح أن هذه الردود لن تغير من شكل هذه الطاولة، ولن تضيف أو تنقص من المدعوين اليها، فالطاولة بدأت فعلاً أعمالها في القصر الجمهوري في بعبدا .
واللافت أن قوى 14 آذار، تجاوزت مسألة المطالبة بتعديل الشخصيات المدعوة للتحلق حول هذه الطاولة، لتركز على مسألة أخرى، وهي المطالبة بتمثيل الجامعة العربية في هذه الطاولة، والمطالبة أيضاً بحصر البحث في بند واحد وهو بند الاستراتيجية الدفاعية الوطنية .
والواضح أن المعارضة وإن لم تتوقف طويلاً عند مطلب مشاركة الجامعة العربية في النسخة الرابعة من هذه الطاولة، إلا أن التطورات أظهرت لاحقاً معارضتها لهذا المطلب فيما لم يبدِ رئيس الجمهورية العماد سليمان حماسة لهذا الأمر، لدرجة ان الرئيس بري قال في تصريح له “ ان من يطالب بضم الجامعة العربية إلى طاولة الحوار انما يحيك مؤامرة للعرب ويريد توريطهم في ما لا يرغبون هم فيه” .
وفي كل الأحوال يبدو أن طاولة الحوار بدأت رحلتها بمن حضر، بلا زيادة أو نقصان، رغم كل الاعتراضات التي صدرت من هنا أو هناك عليها . وبدا جلياً أن السؤال الأكثر الحاحاً لم يعد من يشارك أو من لا يشارك في هذه الطاولة بقدر ما هو ما الذي ستخرج به هذه التجربة المتجددة .
فالمعلوم أن طاولة الحوار الوطني بدأت أصلاً في مطلع عام ،2006 وبالتحديد قبيل الحرب “الاسرائيلية” على لبنان في صيف ذلك العام . ثم كانت بنسخة معدلة نسبياً، (غاب عنها الأمين العام ل”حزب الله” السيد حسن نصر الله لدواع أمنية) بعد تلك الحرب .
وكانت نسختها الثالثة بعد اتفاق الدوحة في عام ،2008 بعدما التزم امرتها رئيس الجمهورية الذي كان قد انتخب بعد وقت قصير على ابرام اتفاق الدوحة . إلى أن عاد الرئيس سليمان ودعا الطاولة مجدداً قبل ايام رافعاً عدد المشاركين من 14 إلى 19 ومعدلاً من المدعوين إليها .
ومهما يكن من أمر فكل المؤشرات تدل على ان هذه الطاولة لن تصل إلى نتيجة حاسمة خلال وقت قصير إذ ستشهد انعقاد جلسات متعددة، وسجالات متشعبة .