ترددت كثيراً قبل تلبية الدعوة التي تلقيتها من وزارة الثقافة المغربية للمشاركة في إحدى الأمسيات الشعرية التي تقام في الدار البيضاء في إطار الأنشطة الثقافية الموازية المعرض الكتاب . ولم يكن التردد بالطبع ناجماً عن عدم اقتناع شخصي بقراءة الشعر على المنبر أو منصة الإلقاء، بل بسبب الخوف الجماعي الذي أصاب اللبنانيين إثر سقوط الطائرة الاثيوبية المنكوبة على شواطئهم، اضافة إلى التراجع الملحوظ للدور الذي تلعبه مهرجانات الشعر ومنابره في الكشف عن أصوات جديدة ومفاجئة بالقياس إلى ما كان يحدث قبل عقود قليلة . ومع ذلك فقد انتهيت أخيراً إلى اتخاذ قرار إيجابي بالموافقة على المشاركة ليس فقط لأن الدعوة تأتي من وزير للثقافة قادم من منطقة الابداع الروائي مثل بن سالم حميش، بل لأن البلد المضيف ليس بلداً عادياً بكافة المعايير . فالمغرب يمتاز إلى جانب جماله الطبيعي الخلاب وتنوعه الجغرافي المدهش بتنوع مواز في التاريخ وتداخل فريد بين الثقافات التي يختلط فيها العربي مع الأمازيغي والإفريقي مع الأندلسي والحداثي مع الإسلامي بشكل قل نظيره في بلد آخر . هكذا بدت كل مدينة مغربية طرازاً متميزاً في الشخصية والمعمار والتقاليد الاجتماعية والثقافية من دون أن يؤثر الأمر سلباً في هوية البلاد أو وحدتها الكيانية .
على أن حساب الحقل لم يتوافق هذه المرة مع حساب البيدر، كما يقول المثل اللبناني، بدءاً من مساوئ الطائرة التي أقلتني مع عباس بيضون إلى الدار البيضاء ووصولاً إلى الملابسات وسوء التفاهمات الكثيرة التي جعلت من الأيام الأربعة للزيارة أياماً للضجر والتبطل وانتظار العودة . فالطائرة التي تنتمي إلى سلالة متخلفة وهرمة من سلالات شركة البوينخ المعروفة كانت صغيرة الحجم إلى الحد الذي كادت مقاعدها الضيقة تتسبب لأجسادنا المحشورة داخلها بنوع من الجلطات الدموية التي تصيب الركاب في أحوال كثيرة مماثلة . ولما كانت التدفئة في مقصورتها مرتفعة جداً بما جعلها أقرب إلى حرارة الأفران الحقيقية فقد شعرت بفعل التبدل في الحرارة، ومنذ الدقائق الأولى، بخلل مفاجئ في الحنجرة والحبال الصوتية ظل يتدرج في تفاقمه إلى أن فقدت صوتي تماماً في نهاية الرحلة الطويلة وحلت محله بعد ساعات ست من المعاناة حشرجة خشنة وضئيلة لا تمتلك القدرة على التعبير أو الإفهام .
أدركت بعد الوصول أن علي أن أبذل الكثير من الجهد لكي أستعيد ملكة النطق التي لم يسبق لي أن فقدتها في حياتي سوى مرة واحدة على الأرجح . وهو ما لم يكن ليتوافر، إذا ما أردت المشاركة في الأمسية المقررة بعد يومين على الوصول، إلا عبر الاستعانة بالأدوية الملائمة من جهة وبالإخلاد إلى الراحة شبه التامة من جهة أخرى، واذا كنت قد حققت الشرط الأول بشكل معقول فإن الشرط الثاني المتعلق بالراحة لم يكن لي قبل بتحقيقه بأي حال . ذلك أنني قطعت هذه الآلاف الأربعة من الكيلومترات لكي أتعرف إلى المغرب وألتقي بكتابه ومثقفيه وأحصل على بعض الكتب والمطبوعات الجديدة التي يضمها المعرض بين جنباته، لا لأرقد ضجراً ومتثائباً على سرير العزلة البارد . وإذ قررت أن أزاول حياتي كالمعتاد وأتردد إلى أروقة المعرض وأجنحته لمقابلة الكتاب والشعراء والأصدقاء والناشرين فقد كان علي أن أفقد البقية الباقية من حنجرتي خلال الساعات السابقة على الأمسية الموعودة . ومع ذلك فقد قررت عدم المقاطعة الكاملة للأمسية واتفقت مع الصديقين عباس بيضون وأمين الزاوي على أن يتولى كل منهما قراءة بعض قصائدي على الملأ .
لم تكن مقاطعة الشعراء المغاربة لأنشطة المعرض وأمسياته المقررة بالأمر العادي الذي يمكن القفز فوقه بسهولة، بل إنها تركت بصماتها السلبية على المشاركين في الحدث والحريصين على متابعته بشكل دوري . وقد علمنا نحن الضيوف أن المقاطعة تلك كانت شكلاً من اشكال احتجاج الشعراء والكتاب على حرمانهم من المبلغ المالي المتواضع الذي كان يمنح لهم من قبل المسؤولين السابقين نظير مشاركتهم في الأمسيات وبغية تأمين أجور نقلهم من المدن التي يقيمون فيها، اضافة إلى تمكينهم من شراء ما يحتاجونه من كتب ومؤلفات . على أن وجاهة المبررات التي دفعت الاصدقاء المغاربة إلى المقاطعة لم تكن لتلزمنا بالأمر نفسه، خاصة أننا مدينون للوزارة التي دفعت كلفة مجيئنا إلى المغرب واقامتنا فيها بإنجاز المهمة التي جئنا من أجلها بصرف النظر عن أي اعتبار آخر . هكذا جلسنا نحن الشعراء الأربعة، عباس بيضون ومنصف الوهايبي وحلمي الريشة وكاتب هذه السطور، ننتظر بكامل قيافتنا وجهوزيتنا قدوم الباص المكلف بنقلنا إلى المعرض لتسديد ديننا المستحق .
مرت نصف ساعة كاملة على الموعد المفترض للأمسية من دون أن يأتي أحد وحين بادرت من جهتي بالاتصال بالمرافقة المغربية للوفد أجابت بأنها ذهبت للتسوق مع ضيوف آخرين ولا علم لها بما يحدث . وفي السابعة تماماً، أي بعد ساعة من الموعد، اتصلت منسقة الانشطة لتبدي استغرابها الشديد لما حدث وتعرض علينا ارسال وسيلة للنقل لم تصل إلا في السابعة والربع، أي بعد انفضاض الحضور وفوات الأوان، وكان علينا بالطبع أن نرفض العرض المتأخر انتصاراً لكرامتنا الشخصية وما تبقى من الكرامة المهدورة للشعر . والغريب في الأمر أن وزير الثقافة المغربي كان ينتظرنا بدوره في قاعة الأمسية وسط بلبلة الحضور الذين اعتقدوا أننا تخلفنا عن المشاركة تضامناً مع الشعراء والكتاب المغاربة المقاطعين . وإذ لم نكن لنشك بالقطع في النوايا الطيبة للوزير الروائي الذي بدا رهانه على حضورنا رهاناً على نجاح المعرض والتعويض الجزئي عما أصابه من شلل إلا أن ما حدث أمر صعب تجاوزه لأنه لا يعبر عن خلل في الادارة والتنظيم وتوزيع المسؤوليات فحسب، بل يكشف عن المآل الصعب للشعر والشعراء في زمن العولمة وتداعي القيم وطغيان الفن الهابط والرخيص على كل ما سواه . وهل كان ذلك التقصير الفاضح، ولو عن غير قصد، ليحدث لو كان المعني بالأمسية راقصة من المحترفات أو مطرباً من مطربي الموائد الليلية والزعيق الأجوف؟!