في غضون عقود قليلة، استحالت تكنولوجيات الاتصالات المختلفة والمتنوعة قوة الدفع الأساسية التي تحتاج إليها العربة الاقتصادية للدفع بعجلة التجارة قدماً . وفي حين أنّ الدول المتقدمة تستطيع الاعتماد على بنية تحتية شديدة التطور لدعم الاتصالات والعمليات والصفقات المالية على الصعيدين المؤسساتي والشخصي، يختلف هذا المشهد كل الاختلاف في دول منطقة الشرق الأوسط والدول النامية الأخرى .
يقول مورتين هوفستاد، المدير الإقليمي لشركة لووب (Luup): “في الوقت الحالي، أكثر من أربعة مليار شخص يشكلون تقريباً ثلثي سكان العالم يملكون هاتفاً متحركاً، ما يجعل هذه الأجهزة المتطورة ترتقي السلّم العالمي بشكل سريع لا بل متسارع . وفي منطقة الشرق الأوسط تحديداً، وأكثر دول المنطقة تقدماً، ولا سيما دولة الإمارات العربية المتحدة التي تستضيف عدداً كبيراً من العاملين المغتربين من الدول النامية، توفّر الهواتف المتحركة لحامليها إمكانية استفادتهم بشكل فوري وسريع من مجموعة متنوّعة من الخدمات المصرفية التي باتت تسهّل العيش وتوفّر على الناس العناء والمشقات من دون اضطرارهم إلى التوجه إلى أي مصرف . وتنطبق هذه الصورة بشكل فعلي على أولئك العاملين الذين لا يتعاملون مع أي مصرف ولم يفتحوا لهم أي حسابات مصرفية بل يكتفون بالهواتف المتحركة الموضوعة بتصرّفهم . وفي حين أنّ مواضيع الصحة والتربية والتعليم والإعلام تبقى مسائل بالغة الأهمية، يحظى قطاعا العمليات والصفقات المالية والتجارة بأكبر عدد ممكن من تطبيقات الهواتف المتحركة الأكثر حداثة على الإطلاق” .
وأهمّ من ذلك أنّ بعض الحكومات في بعض دول العالم قد سبق وأقرّت بالفوائد الاستراتيجية التي تنشأ عن الجمع بين المبادرات القائمة على تبادل الأموال وتحويلها إلكترونياً من جهة والهواتف المتحركة من جهة أخرى . ولا يكمن الهدف من هذا الابتكار الجديد في زيادة شفافية العمليات والصفقات لأغراض الإدارة المالية على الصعيد الوطني فحسب، بل في حماية العاملين والموظفين والشركات والمؤسسات من الاحتيال والاختلاس أيضاً .
منذ نشأة الهواتف المتحركة البسيطة وبداية عصر الاتصالات بواسطتها في أواسط التسعينات، بدأت عمليات الدفع وتحويل الأموال عبر الهواتف المتحركة تشهد تطوراً مثيراً في العالم من خلال استخدام أنظمة مختلفة وتكنولوجيات متنوّعة . غير أنّ وتيرة الاعتماد على هذه الوسيلة المتقدمة ازدادت بشكل فعلي في المناطق التي تفتقر إلى بنية تحتية مصرفية قائمة خارج المدن الكبيرة . وبالإضافة إلى ذلك، كثيرة هي الدول المتقدمة التي تستضيف موظفين وعمالاً من المغتربين الذين لا يتقاضون أجراً كافياً أو راتباً ثابتاً مستقراً يدفع بهم إلى فتح حسابات مصرفية والتعامل مع المصارف بشكل عادي والاستفادة من خدماتها بالكامل . وحتى في مثل هذه الحالات، يبقى الناس بحاجة إلى تحويل مبالغ صغيرة من المال بشكل موثوق به وآمن، خصوصاً إن كان هؤلاء من المغتربين الذين انتقلوا للعمل في مدينة أخرى أو دولة أخرى .
أقلّه في البداية، تمّ تطوير أنظمة الدفع هذه من الألف إلى الياء . ولكن مع الإمكانيات التي توفّرها أنظمة فواتير الهواتف المتحركة لجمع الأرصدة وقسمتها وتحويلها من مستخدم إلى آخر ومع أخذ هذه الإمكانيات في الاعتبار، بات تحويل المبالغ البسيطة من المال ممكناً وسهلاً . وفي الآونة الأخيرة، بدأ مزوّدو خدمات الهاتف المتحرك يستهدفون هذا الجزء من السوق باستخدامهم قونات البيع المحلية التابعة لهم في مدن وبلدات أصغر حجماً واضعين بذلك في متناول السوق العامة الخدمات المصرفية الأساسية .
نتيجة لهذه المبادرة، واجه مزوّدو خدمات الهاتف المتحرك تحديات عدة يعزا سببها إلى أنّ دقة القوانين والأنظمة الخاصة بالخدمات المصرفية والمالية وصرامتها ووجوب التقيّد والالتزام بها، خصوصاً في الأماكن التي تتم فيها الصفقات الدولية، تتجاوز أهلية معظم مشغلي شبكات الهاتف المتحرك وجدارتهم .
بالمقابل، واجه القطاع المصرفي أيضاً مصاعب كثيرة في محاولة تلبية الطلب المتزايد وغير المستجاب له على الخدمات المصرفية عبر الهواتف المتحركة والخدمات التجارية . وفي معظم الحالات، ربما تحاول المصارف إنشاء أنظمتها الخاصة بالاعتماد على أنظمتها الداخلية القائمة فيقف في وجهها التعقيد التكنولوجي ودقة التكنولوجيا بالإضافة إلى عدم فهم الهواتف المتحركة وكيفية عملها مقارنة مع شدة إلمامها بالعمليات التي تتمّ على شبكة الإنترنت بالإضافة إلى عجزها عن التفاعل بشكل صحيح مع أسواقها المستهدفة . ونتيجة لذلك، انبثقت عن هذه المصاعب اتفاقيات شراكة أبرمت بين مزوّدي حلول الدفع عبر الهواتف المتحركة مثل شركة لووب وغيرها من الشركات القادرة على توفير حلول متكاملة تجمع بين أعلى مستويات الخبرة في الخدمات المالية والأنظمة من جهة وتكنولوجيا الهواتف المتحركة من جهة أخرى لتضع في تصرف العملاء المنصات اللازمة لتلبية احتياجاتهم بعيداً عن مشغلي شبكات الاتصالات وعن المصارف .
بفضل قانون حديث جداً أُقرّ في دولة الإمارات العربية المتحدة، شهدت حلول الدفع عبر الهواتف المتحركة قفزة نوعية إضافية في السنة الماضية . ولا شكّ في أنّ دول العالم الأخرى يمكنها أن تحذو حذوها وتحدث التغيير فيها أيضاً . وفي حين أنّ القصة تبدو معقدة جداً، تلقي النتيجة التي تم التوصل إليها، الضوء على مدى تغيّر حياة ملايين الأشخاص نحو الأفضل بسبب بعض التطورات التنظيمية والتقنية الإضافية .
في الأول من سبتمبر/ أيلول من العام ،2009 بدأ العمل على المرحلة الأولى من مشروع “أنظمة حماية الرواتب” بمبادرة من وزارة العمل في دولة الإمارات العربية المتحدة . وتحت إشراف البنك المركزي ومراقبته، تلزم هذه المبادرة قانوناً كافة الشركات المسجلة في دولة الإمارات العربية المتحدة بأن تتسجّل في نظام دفع الرواتب للموظفين إلكترونياً عبر وكلاء هم بشكل عام كناية عن مصارف ومراكز صيرفة محلية . وبفضل هذه المبادرة، يتبادل كل من الوكلاء والوزارة المعلومات اللازمة حرصاً على أن يتقاضى العمال أجورهم في الوقت المحدد من دون أن تلحق بها أي حسومات غير قانونية ولا أن تُحسم منها أي رسوم إضافية مع الإشارة إلى أنّ الوزارة والوكلاء قادرون على الكشف عن أي تخلّف عن الدفع . وتخضع المؤسسات التي تتخلّف عن تسجيل نفسها في هذا النظام أو عن دفع الرواتب كاملةً لموظفيها وعمالها لعقوبات محددة ومعينة .
اعتُبرت هذه المبادرة خطوة نحو الأمام في مجال إنشاء سوق عمل عادلة ونظام توظيف منصف في دولة الإمارات العربية المتحدة . غير أنّ مشكلة أساسية ومهمة برزت في المراحل الأولى من تطبيق هذا النظام، ألا وهي عدم تملّك بعض الموظفين والعمال المعنيين حسابات مصرفية، ما أدّى إلى استحالة تحويل رواتبهم لهم بشكل منتظم . وتجدر الإشارة إلى أنّ عدد الموظفين الذين يعانون هذه المشكلة بلغ 5 .2 مليون شخص وأكثرهم من المغتربين .
لحسن الحظ، كان حلّ واحد، أو بالأحرى سلسلة من الحلول، قريبة المنال . وقد أدت هذه الحلول إلى نموّ عمليات الدفع عبر الهواتف المتحركة وتطوّر عملية تحويل الأموال تطوراً جديراً بأن يفسح في المجال أمام مبادرات مماثلة في أنحاء أخرى من العالم .
تبدأ القصة مع بنك أبوظبي الوطني وبطاقة إن بي دايركت كمْىخ التي كانت أول بطاقة سحب آلي مخصصة لدفع الرواتب وبطاقة خدمة فورية وخدمة فورية عالمية يمكن أن يستخدمها حاملوها في الصرافات الآلية وأن يستفيدوا بواسطتها من خدمات فيزا Visa المختلفة ويحوّلوا ما شاؤوا من الأموال دولياً لذويهم في وطنهم الأم .
حلّت المرحلة المقبلة بعد فترة قصيرة عقب النجاح الذي شهدته بطاقة إن بي دايركت NBDirec عندما بدأ كل من بنك أبوظبي الوطني ومؤسسات مالية أخرى يقدمون بطاقات رواتب للموظفين والعمال الذين لا يملكون حسابات مصرفية للسماح لهم بتقاضي أجورهم ورواتبهم إلكترونياً عبر وكيل معتمد . والفكرة التي تقف وراء هذه الخطوة تكمن في تمكين أولئك الناس من إتمام عمليات السحب الإلكترونية المناسبة وعمليات الشراء أو تحويل الأموال عبر الصرافات الآلية أو نقاط بيع معتمدة في مختلف أنحاء العالم .
كان نجاح هذا الحل باهراً بالنسبة لأرباب العمل والموظفين والعمال الذين باتوا يحظون بالحرية والمرونة بالإضافة إلى الأمن والشفافية التي يقدمها لهم هذا الحل المبتكر مع تقيّدهم في الوقت نفسه بالشروط التي تفرضها وزارة العمل تقيّداً تاماً .
وكان أيضاً الحلقة الأولى من حلقات السلسلة . أما الحلقة الثانية فيها، وهي استخدام الهواتف المتحركة، فظهرت عند إبرام شركة لووب، المزوّد الرائد لخدمات الدفع بالهاتف المتحرك، شراكة مع بنك أبوظبي الوطني في العام 2007 انبثق عنها إنشاء خدمة مصرفية خاصة بهذا البنك وقائمة على الرسائل النصية القصيرة، واسمها خدمة “السهم” .
نظرأً إلى وجود أعداد كبيرة من الموظفين والعمال الذين لا يملكون حسابات مصرفية في دولة الإمارات العربية، والنجاح الذي لاقته بطاقة إن بي دايركت NBDirec وبطاقة “راتبي” المدفوعة سلفاً للرواتب من بنك أبوظبي الوطني، والبيئة التنظيمية الجديدة، كمنت الخطوة التالية في ربط هاتين الخدمتين معاً بما يتيح للمستخدمين تحويل الأموال وإتمام العمليات المصرفية الأساسية وشراء ما يريدون بمجرد استخدام هواتفهم المتحركة والرسائل النصية القصيرة من دون حاجتهم إلى فتح أي حسابات مصرفية .