ترتسم في مخيلتك لوحات جميلة عندما تستعيد سلوكيات الأطفال في شهر رمضان الفضيل، وهم يتعلمون من آبائهم وأمهاتهم روحانية الفريضة وقيم التكافل والترابط بين أفراد المجتمع .
ومن أجمل الصور التي ترتسم فيها فضائل رمضان على الأطفال مشاهدتهم وهم يخرجون من أبواب بيوتهم قبل رفع الأذان، مسرعين وهم يحملون الأطباق لتتجمع على موائد الجيران والمحتاجين .
“هذه القيم التي يتعلمها الأطفال في الشهر المبارك والذي تعد العبادة فيه من أعلى درجات الطاعة لأمر الله سبحانه وتعالى، فتجد هؤلاء الصغار عندما يَصلون إلى أبواب بيوت الجيران، فرحين تملؤهم السعادة وهم يجسدون بأفعالهم الشعور بالإحساس بالفقراء والمحتاجين ومن شعور بالتكافل بين أفراد المجتمع”، وفقاً لما يقوله الباحث في التراث إحسان الفرحان لوكالة الأنباء الأردنية (بترا) .
ويصف حركة دوران الأطفال قبل الإفطار إذ كانوا “يلتقون في منتصف الطريق، يحملون أطباقهم الطائرة إلى موائد الخير، ولا يتبادلون ما يحملون بل تنقل رسائلهم إلى مكانها، وقد يلتقي بعضهم عند بيت المحتاج فلا يسألون ولا ينظرون إلى ما يحمل الآخر، لأنهم يتعلمون بحكم التربية أن هذه الأعمال محفوفة بالستر والكتمان حتى تكتمل حسنتها وثوابها” .
ويسترجع بحسرة تلك الأيام التي يجد فيها الكثير من أوجه الخير “عندما كان يجتمع على مائدة الفقير أو المحتاج من الأصناف أكثر ما كان يجتمع على مائدة الغني” .
ويوضح أنه لم تكن فضائل رمضان تقتصر على العبادة فقط فهي تعلم الأطفال الطاعة وحسن الخلق، “فلا تجد أجمل من تلك القيم عندما ينتهي الناس من وجبة الإفطار، إذ لا تنتهي مهمة الطفل بتوصيل الطعام الهدية إلى بيت الجار المحتاج أو الفقير، فهو يعود بعد الإفطار بوقت لأخذ الطبق “الماعون” فارغاً مغسولاً، حتى لا يكون التأخر سببا في إعادته مملوءاً بشيء ما” .
تتحقق العديد من الفوائد للطفل وهو يدور في حركته اليومية هذه، “فكان من مهمته أيضا الإبلاغ عن سائل جوال في الطريق، او جالس على زاوية محتجبا عن طريق المارة ويسمونه ابن السبيل، فيتم إحضار الطعام له او دعوته إلى المنزل ان كان ما يوحي بأنه غريب تقطعت به السبل للعودة إلى دياره أو بيته” كما يقول الفرحان .
يعود الخمسيني محمود الأسمر إلى أيام الشهر الفضيل في الستينات من القرن الماضي وهو يستعيد ذكريات ما زالت عالقة في ذهنه وهو يسرد “كان الناس يبحثون عن الأجر في رمضان وليس لديهم أية غاية أخرى، فالطقوس لها جمالياتها، فيها من الألفة والمحبة والتعاون بين الناس، حتى عندما كنا ننتظر الافطار (مدفع رمضان)، كنا نجتمع في الحارة على شكل حلقات بانتظار إطلاقه، حتى يخرج صوتنا مدويا اقوى من صوته، فيعرف الناس انه حان موعد الإفطار” .
ويصف الأسمر العادات والطقوس قبل موعد الإفطار “كنا نرتقي الأسطح أو نقف في بعض الأحيان على الأبواب أو في زوايا الحارات لسماع صوت (المدفع ) أو صوت الأذان، فيبدأ الأطفال بالركض وطرق الأبواب إعلانا عن موعد الإفطار” .
ويرى الباحث الفرحان ان مدفع رمضان كان شيئا مقدسا في هذا الشهر، الكل ينتظره إذ كان يوضع على مكان مرتفع في المدينة، مثل جبل القلعة في عمان او على ظهر التل في مدينة اربد