منبر القراء
رسالة اليوم ...02-09-2010 آخر تحديث:الخميس ,02/09/2010

الإنسان ومفارقات رحلة الحياة


المهد واللحد، كلمتان دالتان على الدنيا والآخرة، مهد تزوره وأنت مولود لحظة وصولك إلى هذه الدنيا وتفتح عينيك تجد فيها كل الخلائق ودواب الأرض، لا تعرف من أنت؟ وإلى أين تذهب؟ تبقى بذرة حديثة الولادة، غضة في تكوينها، تحضنك أياد آمنة تسارع إلى ضمك في حناياها .


كنت في عالم ما قبل الولادة ساكناً في أحشاء أمك وخرجت إلى عالم الأمومة والنشأة والتكوين، تغير هذا العالم الذي كان يحيط بك وأنت جنين في بطن أمك، تسكن في محيط هذا الجدار، حيث أحاطك الله بالرعاية الإلهية إلى أن احتضنتك الأم ورفرفرت عليك بجناحيها ولامستك بيديها الرحيمتين، ومن دون أن تشعر أو تدرك بما يدور من حولك . هذه نعمة من نعم الله على الإنسان منذ النشأة والتكوين إلى أن يصبح كائناً يميز سر الوجود يبقى الإنسان يترعرعع وتكبر هذه النبتة التي غرس فيها المبادئ والقيم والأخلاق والفضيلة وأيضاً الشرع والدين والتعليم وحب الله والأنبياء والمرسلين وحب المجتمع وحب الخير والسعي إلى الفوز بالجنة، وكل شيء جميل تستطيع أن تتعلمه لا بد أن تواصل كي تصيب الهدف بسهام الإرادة والنجاح في الدارين . تبقى هذه الصفات مزروعة في نفس هذا الكائن ولكي يميز الحق من الباطل، فالإنسان دائماً يتذكر أيام الطفولة ويضعها الأساس في حياته ومنها ينطلق ويبرز ذاته وقوامه، دائماً يتذكر سريره الصغير وغرفته الجميلة وملابسه الملونة وأصدقاءه المقربين وذويه الذين هم سبب وجوده في الحياة، يبقى يتنفس من أوكسجين الحياة بلا خمول ولا ضجر، يصبح ضاحكاً ويمسي مستبشراً بأحلام اليقظة والدوافع إلى هذه الحياة، يفرح ويمزح ويمرح وينال ما ينال، يسافر ويغامر، يشتري وينفق ويبيع، يعطي ويأخذ ويسلب، يجرح ويكره ويعتذر، يحب ويتزوج ويكوّن أسرة، ويبقى هذا البساط يعبر فيه طرقات وطرقات، يجالس أناساً ويفارق أناساً، يغيب عن أناس ويجتمع مع غيرهم من الناس، يفقد مودة الآخرين وينال إعجاب الباقين من الناس، يمرض ويزور ويعبر محيطات وخلجاناً ويبقى البساط منطرحاً تحت قدميه يبسط له الخير والشر وحب الناس وحب الحياة وحب المستقبل وحب الحاضر وقاموس الذكريات، يبقى هو زرع الحياة وابتسامة المستقبل ورونق الحاضر وبهجة الأمس، كلها خطوات أقدام لا يمحوها الزمان ولا أيام ولا حتى الوجوه التي عرفتك وبعدها رحلت، يبقى للخطوة أثر ما بين فترة وفترة والخطوات تتبعها خطوات والرحلة طويلة الأجل . ولا يدرك نهاية هذه الرحلة إلا من خلقنا وصورنا في أحسن صورة حاملين حقائب هذه الرحلة . . رحلة هذه الدنيا والأمتعة في متناول الأيدي ولكن إلى أين يذهب القلب وهو معلق بذاك الجسد؟ والأقدام تخطو مسرعة بلا ألم ولا ملل ولا ضجر، وغريب أنها لم تحسب خطوتها ليوم القدر، ولم تحاسب نفسها قبل أن ترحل من هذا الوجود، فرحلة الدنيا والحقائب التي يحملها الإنسان هي الأعمال التي يزرعها خطوة بخطوة، في هذه الرحلة زرع بستاناً أم ترك الدنيا مثل الصحارى القاحلة، فيا حسرتنا واللحظات معدودة ولا تعود، ونحن نمرح ونتطاير فرحاً ونغفل في هذه الدنيا التي أغرت أجناساً وأجناساً وبعدها ودعتهم خائبين، فالحياة تطوينا برحلتها إلى اللحد ولن نحمل زينة ولا أمتعة، بل هي سوف تحملنا إلى ذاك اللحد، بقبر موحش وظلمة بعيدة عن الخلائق، ولا يوجد من يؤنس وحدتك ولا حتى يخفف عنك ذنوبك وغفلتك، ولا عزاء بعد ذلك، فقبل أن تغسل وقبل أن تحشر في هذه الحفرة، تجد نفسك جسداً بلا روح، تطالك أيادي أهلك وخلانك وتلفك بكفن وترحل مع الصراخ والشهيق والعمل الذي ينتظرك، بأعمالك تضيء قبرك وتلحق بركب الفائزين، فالإنسان يبدأ عمره من المهد وينتهي إلى اللحد ومن ثوب أبيض يلف به وهو طفل إلى ثوب أبيض يلف به ميتاً، فسبحان الله، ثوب يستقبله وثوب يودعه .


شيخة الشراري - دبا - الفجيرة


 

طباعــــة

إرســال

أضـف تعليــق

أخبار متعلقـــة

  
 

أضــف تعليـــق

عنوان التعليق
الاسم
البريد
تعليق
 

  تعليـــق

 بقية المواضيع

 
 

  النشرة الدوريــة

   دليــل المدينة

  حالة الطقس

  مؤسسة تريم عمران للأعمال الثقافية والإنسانية

البريد
 

جائزة تريم عمران للصحافة

•مركز تريم عمران للتدريب والتطوير الإعلامي

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر © 2008