رأي ودراسات

البحـــث

    
الاستراتيجية الأمريكية والتحديات المقابلة آخر تحديث:السبت ,14/08/2010

عبد الزهرة الركابي

لا نجافي الواقع المنظور، إذا ما قلنا إن الرئيس الأمريكي أوباما لا يتوافر لديه الكثير من الخيارات السياسية التي يمكن التعويل عليها، على الرغم من أن هناك من يدعو إلى تبنّي مقاربة (الانتظار والترقّب)، على أمل أن تؤدي العقوبات الأخيرة على إيران، إلى تحسين فرص حل الملف النووي الإيراني، لكن مع استمرار إيران على موقفها في هذا الجانب، تتزايد احتمالات اللجوء إلى الخيار العسكري من قبل أمريكا، وبما أن “إسرائيل” تُلحّ في اتخاذ إجراءات قاسية ضدّ إيران، فإن تصعيداً في الأزمة النووية محتمل إلى حد ما في أواخر العام الحالي كحد أدنى، أو يتم ترحيل هذا التصعيد إلى العام القادم كحد أقصى .


الأمر الذي جعل الاستراتيجية الأمريكية في ولاية الرئيس أوباما تكشف عن صفحاتها تدريجياً وعملياً على الرغم من التزويق الذي أطرها أمنياً وعسكرياً، وقد تلقفت مراكز البحوث والدراسات هذه الاستراتيجية، وأشبعتها تحليلاً وترويجاً، لا سيما في الصفحات التي تتعلق بالشرق الأوسط، ويُنظر إلى هذه الاستراتيجية بأشكالها التمويهية، على أنها تعمل على تجذير الاحتلال في العراق عبر مسميات وتوصيفات واهية، وبصرف النظر عن مسألة الانسحاب، سيتعين على أوباما إيلاء مزيد من العناية لمضمون العلاقات الأمريكية العراقية المستقبلية وللاستراتيجية الأمريكية في المنطقة للعام الحالي، ذلك أن الفشل في تحويل العراق إلى مركز أمريكي للدفاع عن المصالح الإقليمية، يرغم واشنطن على إعادة النظر في دورها وفي وضعها في المنطقة .


والملفت في هذه الاستراتيجية هو أن أفق إحراز تقدم دائم في سائر الأزمات القائمة في المنطقة، سيكون ضيّقاً في هذا العام، ويُستبعد أن تتحسن الفرص في وقت قريب، لا سيما وأن أوباما يواجه تحديات محلّية هائلة، وبالنظر إلى هذا العجز عن إحراز تقدم، تواجه أمريكا في المحور الفلسطيني “الإسرائيلي” خياراً سياسياً صعباً، فإذا كان التراجع الرسمي ليس خياراً صالحاً بعد التزام أوباما السابق، يمكن أن تواصل واشنطن جهودها الحالية باستئناف محادثات السلام عبر خطوات بطيئة من جراء ضعف الموقف العربي تعميماً والموقف الفلسطيني تخصيصاً، وربما تؤدي هذه الجهود إلى إعادة إطلاق العملية السلمية وربما العكس، لكن يُستبعد أن تؤدي إلى حل مناسب بالنظر إلى الوضع الماثل على الأرض، ومع تراجع احتمالات حل الدولتين، توجد إمكانية حقيقية بأن تزداد الأوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة تدهوراً، من واقع ان الدولة الصهيونية راحت تمعن في سياساتها الاستعمارية، بعدما وجد رئيس الحكومة “الإسرائيلية” نتنياهو تأييداً علنياً لخططه من أوباما خلال زيارته الأخيرة لواشنطن .


ومنذ وصول أوباما الى البيت الأبيض، فإنه لم ينجح إلى الآن في تحقيق التوقعات المتفائلة التي أعرب عنها في الخطاب الذي ألقاه في القاهرة، وسيلزم إدخال مزيد من التغييرات في السياسة الأمريكية إذا كان يُراد إحراز تقدّم كبير تجاه السلام، بيد أن مثل هذا الأمر لن يحصل، استناداً الى الصفحة الأمنية في الاستراتيجية الأمريكية التي تتبنى خطاً متماهياً مع الدولة الصهيونية في هذه المرحلة وحتى العام ،2012 وذلك، لحسابات تتعلق بالملف النووي الإيراني أولاً، وثانياً بانتظار معرفة ماهية الظروف التي ستطرأ على الوضع في العراق في أواخر العام القادم، وهو الموعد الزمني للانسحاب الأمريكي الرسمي والشكلي في آن من العراق .


يُذكر في هذا السياق ان إدارة أوباما في بداية الأمر قد وضعت مقاربة غير عادلة في المحور الفلسطيني “الإسرائيلي”، عندما طالبت الدولة الصهيونية تجميد الاستيطان، وفي نفس الوقت طالبت العرب باتخاذ إجراءت تطبيعية مع “إسرائيل” تحت مزاعم إجراءات بناء الثقة وتوفير الأساس لإعادة إطلاق محادثات السلام .


وحتى في هذه المقاربة المحابية للدولة الصهيونية، فإن الأخيرة تمنعت ورفضت التجميد الكامل للاستيطان، وبدت الدولة الصهيونية في موقفها هذا غير مكترثة للمطالبة الأمريكية، بل وبدا نتنياهو أكثر من أي وقت مضى في موقف يسير أمام أوباما الذي لم يمانع في السير خلفه، وقد وجد بعض المحللين عذراً لأوباما في هذا الانسياق، عندما أرجعوه إلى أسباب أخرى، أغرقت أوباما في حقائق السياسة الخارجية في سنته الأولى في الحكم، وكذلك الأزمة المالية والقضايا الداخلية الملحّة، لكن هؤلاء المحللين يقرون في نهاية الأمر، أن أوباما يظل كأي رئيس أمريكي آخر، يقف في حدود معينة مهما خاض وتجرأ في غمار قضية الشرق الأوسط، وهو بالتالي لا يريد إثارة غضب اللوبي الصهيوني .


وعليه، يرجّح أن تتعاظم هذه التحديات كافّة على الإدارة الأمريكية، أعني التسوية السياسية البطيئة وتوازن القوى الإقليمي المعقّد، مع استعداد أمريكا للرحيل الشكلي من العراق، وبالتالي من الصعب التنبؤ بكيفية تعامل أوباما مع تدهور خطير للوضع في العراق على ضوء تركيزه على جنوب آسيا، خصوصاً إذا ما قامت واشنطن في ذلك الحين، بتوجيه ضربة عسكرية للمنشآت النووية الإيرانية، وربما من تداعيات هذه الضربة، أن تندلع حرب إقليمية شاملة .


rekabi@scs-net.org

طباعــــة

إرســال

أضـف تعليــق

أضــف تعليـــق

عنوان التعليق
الاسم
البريد
تعليق
 

  تعليـــق

  آخر مقالات للكاتب

04/02/2012
خلاص العراق

29/01/2012
منطقان فارقان

21/01/2012
حرب قبل أوانها

16/01/2012
حرب باردة

10/01/2012
“إسرائيل” تتحسب لنقطة التحول

 
 

  النشرة الدوريــة

   دليــل المدينة

  حالة الطقس

  مؤسسة تريم عمران للأعمال الثقافية والإنسانية

البريد
 

جائزة تريم عمران للصحافة

•مركز تريم عمران للتدريب والتطوير الإعلامي

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر © 2008