بعد خطاب الرئيس الأمريكي باراك أوباما في جامعة القاهرة، الذي خاطب من خلاله العالم الإسلامي، طُرحت أسئلة عدة عن الصراع العربي “الإسرائيلي” والدور الأمريكي في التسوية السلمية المتوقّعة .
هل يتمكن الرئيس الأمريكي من إلزام “إسرائيل” التقيّد بقرارات الأمم المتحدة إفساحاً في المجال أمام إنجاز تسوية سلمية بدءاً من المسار الفلسطيني؟
كيف ستتصرف، والحال هذه، جماعات الضغط الصهيونية داخل الولايات المتحدة، وهل ستمكّن الرئيس الأمريكي من إنجاز مشروعه في تحقيق التسوية؟
وكيف ستتصرّف الحكومات العربية حيال هذا الملف، لجهة مساعدة الإدارة الأمريكية على إرغام “إسرائيل” للانخراط في عملية التسوية؟
هذه الأسئلة، وغيرها، ظلت مطروحة إلى الآن، وستبقى إلى أمد غير معلوم، طالما أن التسوية السلمية مجمّدة تحت الضغوط والشروط “الإسرائيلية” .
وقعت خلافات سياسية ودبلوماسية بين الإدارة الأمريكية وحكومة نتنياهو، وموضوعاتها: حصار غزة الذي تنفّذه “إسرائيل”، وتطويق الضفة الغربية واختراقها بالحواجز والاعتقالات التعسفية، واستمرار عمليات الاستيطان تحت ذرائع واهية، وعدم الإفراج عن المعتقلين الفلسطينيين .
على أن اللجنة الرباعية الدولية، المكوّنة من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، وروسيا، والأمم المتحدة، لم تتمكن من أخذ زمام المبادرة وتحريك العملية السلمية، بل إن مصير اللجنة الرباعية صار مطروحاً! وتراجعت معها “إسرائيل” والولايات المتحدة: علاقات أمنية صاعدة
وعود وشعارات سابقة: خارطة الطريق، وحدود دولة فلسطين، ومصير القدس واللاجئين، وتجميد الاستيطان، وغيرها .
كما لم تتمكن مجموعة الدول العربية من صوغ استراتيجيات بديلة عن تلك التي أقرتها القمة العربية في بيروت سنة 2002 .
الملاحظ أن الخلافات السياسية بين إدارة أوباما وحكومة نتنياهو لم تؤثر سلباً في العلاقات الأمنية بين الجانبين، لا بل حصل تعاون أمني مفتوح، وكأن العلاقات السياسية والدبلوماسية مستقرة وثابتة .
من مظاهر التعاون الأمني الواسع بين الطرفين: الاستعداد لنشر منظومة (القبّة الحديدية) في العام المقبل، وإجراء اختبار ناجح لنظام الدفاع الصاروخي الجديد . وتساهم الخزينة الأمريكية بمبلغ 205 ملايين دولار أمريكي لتمويل هذا المشروع . وصولاً إلى إشعار “إسرائيل” بأنها قوية، وليست عرضة لتهديد دول أو جماعات في الشرق الأوسط، وفقاً لوجهة النظر الأمريكية في وزارة الدفاع ووكالة الاستخبارات المركزية .
إلى ذلك، تستمر اللقاءات على مستوى نواب ومساعدي وزراء الخارجية لتبادل الخبرات الأمنية والعسكرية، وقد بلغ عددها أكثر من 75 لقاءً . وتناولت قضايا عدة بينها، تطوير نظام الدفاع الصاروخي في “إسرائيل”، وزيادة الدعم المالي الأمريكي في الشؤون العسكرية “الإسرائيلية”، ليصل إلى ربع الإنفاق العسكري الشامل .
يوجز المتحدث باسم البنتاغون جيف موريل عن وزير الدفاع الأمريكي روبرت غيتس قوله: (إنه يؤمن بأن التعاون العسكري بين بلاده و”إسرائيل” هو تعاون غير مسبوق) . وهذه علامة بارزة من علامات صعود العلاقات الأمنية والعسكرية، على الرغم من التعثّر السياسي والدبلوماسي . تبدو القمة الأمريكية “الإسرائيلية” الأخيرة، بين أوباما ونتنياهو، في وضع متقدم على مستوى تطوير العلاقات الدبلوماسية والسياسية، ومعالجة الإشكالات السابقة في هذا المجال . فلا ضغوط سياسية متوقعة في المرحلة القصيرة التي تسبق الانتخابات الجزئية للكونغرس في الخريف المقبل، لأسباب أمريكية في الدرجة الأولى، وبعدما تراجع الزخم الذي أحدثه انتخاب أوباما رئيساً للولايات المتحدة، وتراجع معه تأثير الحزب الديمقراطي في قطاعات مختلفة .
في المقابل، لا تبدو عملية التسوية في وضع جديد، أو في انطلاقة جديدة متوقعة، لا بل إن أمين عام جامعة الدول العربية أبدى قلقه من الوصول إلى نهاية الثلاثة شهور التي أعطتها الجامعة للنشاط الدبلوماسي العربي كي يتم تفعيله في مجال التسوية، دون تحقيق أي نتيجة حتى الآن . هذا القلق له ما يبرره، لا سيما أن الأوضاع الإقليمية والدولية غير مساعدة، والتهديدات “الإسرائيلية” بالتصعيد مستمرة، بما لا يوحي بأجواء السلام أو الاستقرار على اتساع منطقة الشرق الأوسط .