من ينظر في حال أفغانستان يعجب للاستراتيجية الأمريكية في إدارة حروبها، إذ لا يرى أي أثر لكل الدعاوى التي من أجلها شنت الحرب، لكنه بكل تأكيد يلمس كل مشاهد الفوضى . فالجيش الأمريكي الذي استطاع أن يقهر حكومة “طالبان” في أيام بسبب قوة نيرانه، لا يمكنه حفظ الأمن لنفسه، فهو إما داخل أسوار المعسكرات التي تتعرض بين الحين والآخر للهجمات، أو يقاتل سراباً عند الحدود الباكستانية، أو يقصف حفلات الزواج .
وما عدا ذلك، فالبلاد إما تسيطر عليها “طالبان”، أو تنهشها العصابات والمافيات التي تعيش في بحبوحة تجارة المحرمات والممنوعات . أما الفساد فهو جارٍ تحت أعين قوات “التحالف” التي تجأر بالشكوى حتى تبعد الشبهات، وهي حيلة ما عاد يصدقها أحد، فكأن هذه القوات موجودة في كوكب آخر تراقب عمليات الفساد، وليست في أفغانستان تهيمن على مقدراتها، وتحدد مسار حياتها، وتشكل مستقبلها .
وهي تظن أن بلاغاتها عن نيتها تحقيق الديمقراطية، وتوفير الاستقرار، ورعاية التنمية تخفي كيف أن الفقر تفشى، والفساد استشرى، وكراهية الناس لها تعمقت، وهي مؤشرات كلها تعمل ضد الاستقرار للناس، والأمن لقواتها . فإذا كان هذا هو الحال فما الفائدة التي تستطيع أن تجنيها الولايات المتحدة من مثل هذا الحال؟
إنها بالتأكيد لا يمكن أن تستخدم البلاد ممراً للنفط كما قيل، والفوضى تضرب أطنابها، وهي لا يمكنها أن تحاصر البلدان الأخرى بينما لا يسعها حماية قواتها . كما أنها لا تستطيع أن تفرض أيديولوجيتها والناس ترفع السلاح في وجهها . وهي على مدى ثلاث سنوات أنجزت هذا كله بتكلفة باهظة تعادل العشرات من البلايين من الدولارات، وربما لو أنفقتها في تنمية الاقتصاد الأفغاني لكان الحال عندئذ غير الحال الذي نراه .
لكن الإدارة الأمريكية ترى أن شركات السلاح الكبرى في بلادها أولى بهذه البلايين، وهي تجد سنداً منها في استمرار مغامراتها، وهي تخضع في سياساتها لمصالحهم . فكيف للناس ألا يرفعوا السلاح في وجهها وهي منذ دخلت بلدهم تشبعهم تقتيلاً، وتمعن فيهم تجويعاً؟
وبطبيعة الحال ليست أفغانستان حالة فريدة، فالعراق لا يزال يئن جوعاً وفوضى وينزف تدميراً وقتلاً في ظل الاحتلال الأمريكي . وفي هاتين الحالتين كما في حالات أخرى مضت، كانت الأموال من نصيب شركات السلاح والأمن، بينما تثقل البلدان المحتلة ضريبة القتل والتدمير .
لكن هذه الاستراتيجية مرهقة، في الأمد البعيد، لاقتصادها الذي أصبح يتآكل، ولقدرتها على حماية مصالحها في وجه الكراهية التي تخلقها في نفوس الشعوب الأخرى، وهي تعجل بهذه الطريقة في أفول هيمنتها التي تحاول بالاستراتيجيات الغبية إدامتها .