سجلت القرصنة الصهيونية ضد “أسطول الحرية” ذروة فصل جديد في الصراع العربي الصهيوني غير مسبوق في تاريخه الممتد، وهو الأشد تأثيراً في الرأي العام العالمي، وصورة “إسرائيل” لديه . إذ دار الصراع فيه بين منظمات حقوق الإنسان وهيئات المجتمع المدني، العربية والأوروبية، وبين التجمع الاستيطاني العنصري الصهيوني بإجماع صناع قراره، ومضمونه محاولة أحرار العالم كسر حصار الأربع سنوات على قطاع غزة . إذ بمبادرات أهلية جرى تمويل وتجهيز سفن “شريان الحياة”، و”أسطول الحرية”، و”راشيل كوري”، التي أحيت ذكرى الشهيدة الأمريكية التي تنكر لها بنو قومها . وما كان أحرار العالم قد تقاطروا لنصرة قطاع غزة لولا صموده مقاومة ومجتمعاً .
فعلى صعيد المقاومة ما إن نجحت حماس بالأغلبية في انتخابات “المجلس التشريعي” في الضفة والقطاع المحتلين، حتى جوبهت بمحاولات دولية ورسمية عربية استهدفت تطويع إرادتها . وبرغم كثافة الضغوط والإغراءات رفضت بإصرار شروط الرباعية، ولم تفرط بأي من الثوابت الوطنية التي نص عليها “الميثاق القومي” لمنظمة التحرير الفلسطينية الذي أصدره المؤتمر الوطني الفلسطيني الأول بالقدس سنة ،1964 ولا أثّر في صمودها اتهامها بالإرهاب والظلامية، فضلاً عن إفشالها محاولة “إسرائيل” استعادة قوة ردعها بالمحرقة التي أدانها تقرير جولدستون . وكان لبقية الفصائل الملتزمة بالمقاومة خياراً استراتيجياً مواقف داعمة للصمود الأسطوري، ما يعتبر صفحة مشرقة في نضال الشعب العربي الفلسطيني .
ولقد كان، ولا يزال، لمواطني القطاع، رجالا ونساء، شيباً وشباناً وأطفالاً، دورهم التاريخي في صموده . وما كانت حماس، وفصائل المقاومة الأخرى، لتنجح بكفاءة في امتحان الإرادات لو لم يشكل مجتمع القطاع حاضنتها الواقية . إذ لم يخذلها أيام المحرقة، ولا على مدى سنوات الحصار الثلاث . غير مبال بكونه الأكثر معاناة بفعل الحصار، ولا هو أقام كبير وزن لما يقال عن تجاوزات سلطة حماس على الحريات العامة والخاصة، وما تتهم به من محاولة فرض توجهاتها الاجتماعية على مجتمع متعدد القناعات ووجهات النظر . ولأن الالتزام الوطني تقدم عند مواطني القطاع على ما عداه لم يتأثروا بالإعلام العربي وغير العربي الذي يحمّل المقاومة المسؤولية الكاملة عن الحصار وتداعياته شديدة القسوة، في تجاهل متعمد لمسؤولية القوى الفارضة للحصار في عدوان صارخ على القانون الدولي وشرعة حقوق الإنسان .
ومحاولة استقراء دواعي انتصار أحرار العالم لقطاع غزة تستدعي النظر لصموده في ضوء واقعة . فهو صمود في قطاع هو الأعلى كثافة سكانية في العالم، وبين أفقر أصقاعه بالموارد الطبيعية، ومحاصر من جهاته الأربع . وهو من جهة ثانية صمود في زمن استشراء الصلح والتطبيع في غالبية الأقطار العربية، وافتقاد النظام الإقليمي العربي المنعة واستقلالية الإرادات والقرارات، وتوظيف فريق أوسلو لمنظمة التحرير الفلسطينية في تمرير تنازلاته وتبرير مفاوضاته مع العدو المحتل للأرض ومغتصب الحقوق، فضلاً عن تواصل شيوع ثقافة الهزيمة برغم كل إنجازات المقاومة في العراق ولبنان وفلسطين . وهو من جهة ثالثة صمود في مواجهة التحالف الأمريكي الصهيوني بكل ما يملكه من إمكانات وقدرات وفعالية دولية واقليمية . وعليه فالقطاع لا يحتوي فقط بشراً يعانون من حصار لا إنساني طال زمانه، وإنما يضم أيضاً مجتمعاً متحدياً للقوة الأعظم التي دانت لسلطانها مجتمعات كثيرة في مشرق الأرض ومغربها . وهذا بالتأكيد ما أكسب القطاع، مقاومة ومجتمعاً، احترام وتقدير وإجلال أحرار العالم، فتوافدوا عليه باعتبار مجرد زيارته موضع فخر واعتزاز وتقدير عالمي .
وكان لنشطاء الجاليات العربية والإسلامية، خاصة في أوروبا، دورهم المشرف في التواصل مع منظمات حقوق الإنسان وهيئات المجتمع المدني، والمفكرين والأكاديميين . كما في إيضاح حقائق الصراع الذي فجرته إقامة الكيان الصهيوني على التراب العربي في فلسطين، وبالعمل الجاد والمتواصل، المستفيد من آليات الحراك الاجتماعي الأوروبي، وبما اكتسبه هؤلاء النشطاء من مصداقية واحترام في مجتمعاتهم الجديدة، نجحوا في تحفيز العديد من الشخصيات الفكرية والسياسية وأعضاء المجالس النيابية للمشاركة في حملات عرّت العنصرية الصهيونية، وفضحت تواطؤ الإدارة الأمريكية وصناع القرارات الأوروبية . كما أسهموا في ما بات ملحوظاً من بداية انحسار انحياز الرأي العام الأوروبي للكيان العنصري الصهيوني .
وعلى الصعيد الشعبي العربي مضى الشعور بالمسؤولية القومية تجاه قطاع الممانعة والصمود في تنام طردي وفي تضاد مع قوى الصلح والتطبيع . وعلى الرغم من محدودية الدعم المادي الذي تقدمه هيئات المجتمع المدني العربية المشاركة في حملات كسر الحصار، البرية والبحرية، إلا أن تأييدها المتنامي عمّق لدى مواطني القطاع الشعور بأنهم ليسوا معزولين عن أمتهم، وإن جافاهم غالبية أنظمتها، بل وعاداهم غير يسير منها، ما عمّق لديهم روح الممانعة والمقاومة وعظم قدرتهم على تحمل تبعات الصمود، فضلاً عن دلالة ذلك على أن القضية الفلسطينية أخذت تستعيد مركزيتها في الحراك الشعبي ما بين المحيط والخليج .
وفي تحدي أحرار العالم للرباعية الدولية بقيادتها الأمريكية، انتصاراً لقطاع غزة، وحملها على مراجعة قرارها اللاإنساني بفرض الحصار عليه، البرهان العملي على أن الممانعة والمقاومة والصمود إنما هي سبيل شعب فلسطين وأمته العربية لتحقيق أي إنجاز في إدارة الصراع التاريخي مع التحالف الامبريالي الصهيوني . وكثيرة هي المؤشرات على أن القوى الدولية والإقليمية والعربية المتضررة من التقاء أحرار العالم على كسر الحصار تعمل بتنسيق تام فيما بينها للالتفاف على إرادة المجتمع الأهلي الدولي، واحتواء صمود القطاع ومنع انتصاره .
ويقيناً إنه في غاية الأهمية العمل بكل ما هو مستطاع للتصدي لمحاولة الالتفاف على دعوات كسر الحصار، وذلك بتعميق وتوسيع تفاعلات قوى الممانعة والمقاومة العربية، والفلسطينية منها خاصة، مع أحرار العالم الذين انتصروا لغزة المحاصرة، وتحملوا تبعات تحدي التحالف الامبريالي الصهيوني . والبحث في تطوير العلاقة معها باتجاه تشكيل جبهة عالمية ضد الكيان الاستعماري العنصري الصهيوني، تضغط لإنهاء الاحتلال، وإقرار المجتمع الدولي بحق شعب فلسطين بتقرير مصيره وإقامة دولته كاملة السيادة، واستعادته حقوقه المشروعة . وهذا هو التحدي الذي تواجهه القوى العربية كافة، وبالذات الملتزمة بالمقاومة خياراً استراتيجياً .