الحلم بالريادة حق لكل إنسان إذا استطاع أن يتخطى حدود زمانه والسائد فيه، وما من مجال إبداعي في مختلف الحقول إلا وله رواده، وهم ليسوا بالكثرة التي نتصورها أحياناً، وقد يكون هناك تباعد زمني بينهم، ولو كان المبدعون أو المجتهدون كلهم رواداً لكان المشهد أشبه بسلسلة من العتبات التي لا تفضي إلى بيوت .
وخير من تنبه إلى ذلك بول فاليري الذي قال عبارته الشهيرة في لحظة تكريمه، قال إنه إذا تصور معاصروه أنه أطول قامة من أسلافه فذلك لسبب واحد فقط هو أن هؤلاء الأسلاف يحملونه على أكتافهم، وفي عصرنا الذي ضاعت فيه الحدود وانعطبت البوصلات، واختلطت المعايير أصبح بإمكان أي حالم بعيون مفتوحة أن يزعم الريادة، أو على الأقل يجد ممن حذفوا الفارق بين الإعلام والإعلان من يغدق عليه هذه الصفة . ويبدو أن ظاهرة تضخم الذات هي تعبير عن شعور بالنقص وليس بالفائض، والمبالغة تتولى ترميم ما هو مقضوم أو ناقص في الذات التي غلب فيها الورم على الشحم حسب تعبير المتنبي .
لقد أطلق لقب رواد الفضاء على أشخاص جازفوا بحياتهم لملامسة كواكب كانت مجهولة، ولا أظن أن الثمن الذي يدفعه الرواد خارج الفضاء أقل من ذلك، فهم بتخطيهم ما هو سائد ومقرر في عصرهم إنما يعرضون أنفسهم للاستهجان وأحياناً النبذ والإقصاء، بحيث لا يعادل لهم الاعتبار بعد الموت، وأحياناً بعد أن تتحول العظام إلى رميم .
عصرنا أتاح لمن يملك حانوتاً صغيراً أن يسميه دولياً، وأباح لمن يملك محلاً صغيراً على الرصيف لبيع السجائر والحلوى أن يطلق على هذا المحل اسم المؤسسة . وهاجس التكبير والتكثير يزدهر عندما يشعر الإنسان بأنه دون أحلامه بكثير، وهناك دراسة مثيرة للروائي كونديرا عن الأناشيد الوطنية في العالم المعاصر، توصل من خلالها إلى أن واحدة من أصغر دول الكوكب أوشكت أن تتبنى رسمياً النشيد الذي كتبه أحد المحترفين عندما جعل منها سيدة الكواكب والمجرات .
بالطبع لا يعقل أن يظهر رواد في حقول المعرفة ومجالات الحراك الإنساني كل عام أو عامين، فالأرض التي تكتشف لا بد أن يتريث الناس قليلاً لزراعتها واستثمارها قبل القفز إلى أرض أخرى جديدة، وقد يكون من المنطقي أن يظهر رواد لأجيال تفصل بينها عقود، لكن المضاد للمنطق هو أن تعرّض ألقاب من هذا الطراز للبيع أو الإيجار، لاستخدامات موسمية . ولو صدّقنا ما يقوله من حذفوا الفارق بين الإعلام والإعلان فإن ألف شاعر عربي منذ نصف قرن جميعهم رواد، وكذلك الروائيون والمهندسون والأطباء والناشطون . ولأنه ليست هناك وصفة محددة ومحكمة لمفهوم الريادة كما هو الحال مع براءة الاختراع فإن الباب يبقى مفتوحاً على مصراعيه للمزاعم والادعاءات، والحمقى، كما قالت سيمون دو بوفوار ذات يوم، لهم من يعجب بهم ويصفق لحماقاتهم، وهم الأشد حمقاً منهم، فالأمر نسبي، لكن ليس إلى هذا الحد الذي يجعل من تعويم القيم والألقاب والصفات ثقافة عامة مكّرسة .
إن من أولى صفات الرائد أنه لا يكذّب أهله، ولا يتقمص من سبقوه على طريقة ما سماه أسلافنا وقوع الحافر على الحافر .