يعيش العالم أزمة كونية شاملة منذ أواسط سنة ،2007 ومظاهرها في الوقت نفسه مالية ونقدية، واقتصادية، وغذائية، وبيئية تسارعت وتيرة هذه الأزمة في النصف الأول من سنة ،2008 محدثة أخطارا اقتصادية محدقة . ويتساءل المحللون الغربيون: كم ستكون فداحتها على صعيد مقياس ريختر للزلازل الأرضية الاقتصادية والاجتماعية؟ وهل ستكون أقوى من الأزمة الكبيرة التي شهدتها الرأسمالية في العام 1929؟ وهل أنها شبيهة بأزمة السبعينات، تماما قبل الأزمة النفطية الأولى في العام 1973والكساد الاقتصادي للنصف الأول من سنة 1974؟
للاجابة عن كل هذه التساؤلات، الحذر يجب أن يكون سيد الموقف . اذ يكفي أن نعيد قراءة تقرير المجلس للتحليل الاقتصادي تحت عنوان “الأزمات المالية” المنشور في العام 2004 والذي كتب فيه معدوه الثلاثة: روبير بويير، وماريو ديهوفي ودومينيك بليهون، ما يلي:”الأزمات المالية تخضع للايقاع تاريخ الرأسمالية” متخذة في الأعم الأغلب شكل أزمتين “متزاوجتين”(بنكية وصيرفية) أو أزمات متعددة في حال انهيار مؤشرات البورصات والأنشطة الاقتصادية .
فيما يتعلق بوصول الأزمة الحالية الى بر الأمان، وبصرف النظر عن الاتجاهات نحو الانحدار التي يقودها كل من صندوق النقد الدولي أو منظمة التعاون للتنمية الاقتصادية، فإن النمو العالمي سيسجل تقدما يتموقع ما بين 3،5% و4% بفضل المحركين الصيني والهندي، شريطة ألا يخففا أيضا من سرعتهما .ويمكن حصر هذه الأزمات التي تهدد النظام الرأسمالي العالمي بالانهيار بست:
الأولى :من خلال ضرب قلب النظام المالي- البنوك الأمريكية والأوروبية-تتمظهر الأزمة المالية كواحدة من أخطر الأزمات التي لم يعرف تاريخ الرأسمالية مثيلا لها .
وللأزمة أسباب وجيهة في الاستمرار . ذاك أنّ تخيّل امتصاص هذه المرحلة بسهولة على أنّها ظاهرة شاذة لا قيمة لها من ظواهر السوق، يعني أن يتمتّع المرء بقدرةٍ تامّة على تناسي العامل المحرّك لها: وهو الانسياق الجامح لجيشٍ من الأسر المفلسة وراء أثقل نوعٍ من أنواع القروض، وهو الرهن العقاري . وبحركةٍ ارتدادية فيها صفات العدالة المباشرة، كان من شأن بند “التسوية”، الذي حقّق العجائب في استدراج الزبائن بكثافة وفي رفع أسعار العقارات الى أقصاها، ومعها أرباح المضاربة في المشتقّات الماليّة، أن أصبح من الآن وصاعداً هو لعنة عالم المال . فهو الذي يحبّ العيش في الآنية يجد نفسه مضطرّاً الى التعامل مع “متخلّفات” مالية ناتجة عن عائلات مَدينة، لا يمكن التخلص منها كما تتمّ تصفية مركز مالي مضارب .
ونشر صندوق النقد الدولي أخيراً تقريرا حول الاستقرار المالي في العالم، حدد فيه أن حجم الخسائر المرتبطة مباشرة بالأزمة المالية بلغت 945 مليار دولار، منها 225 ملياراً حول القروض و720 مليار دولار حول المشتقّات الماليّة . وستتعرض البنوك الكبيرة الى خسائر تتراوح ما بين 440 ملياراً الى 510 مليارات، أما باقي الخسائر، فانها ستتوزع على شركات التأمين، وصناديق التقاعد، والصناديق المالية، وصناديق المضاربة، ومؤسسات استثمارية أخرى .
ولا يبدو ان الخروج من الأزمة موضع بحثٍ حالياً، طالما أنّ دينامية الانهيار المالي بدأت تنشر انعكاساتها السلبية . ومن شأن خفض تقييم ميزانيّات المصارف، بعد الخسارات الحاصلة على مشتقّات صناديق ضمان الرهونات العقارية؛ والتوتّرات المستمرّة على السيولة ما بين المصارف، بفعل عدم الثقة البالغ الذي يجعل كلاً منها ينظر الى الآخر على أنّه المُصاب المحتمل؛ من شأنهما أن يفضيا حتماً الى انكماش القروض التي سيعاني منها الاقتصاد المنتج مهما ابتعد عن شعوذات المضاربة .
والمؤسّسات المالية، بموقفها الرافض الاعتراف، الشبيه بموقف مفكّري الليبرالية العضويين، سوف تستغرق ستة أشهر قبل أن تُسلّم بفكرة التباطؤ المرتقب في حركة النمو الاقتصادي، وربما باحتمال ركوده .
الثانية: الانهيار القوي للدولار . اذ أصيب عالم المال بأزمة جديدة للدولار، الذي يتداعى أمام اليورو . ولم يسجل مثل هذا الانخفاض للدولار منذ عقد السبعينات من القرن الماضي .
الأسباب متعددة التي تفسر هذا الهبوط العنيف للدولار، منها: أزمة القطاع البنكي، والعجز الكبير في الموازنات التجارية وفي ميزان المدفوعات الأمريكية، واشارات قوية بشأن الكساد وانخفاض سعر الفائدة في الولايات المتحدة الأمريكية .
العملات الوحيدة التي أفلتت من اعادة التقدير هي اليوان الصيني والعملات الخليجية، المرتبطة في معظمها بالدولار .ومكن اليوان الضعيف الصين من تطوير صادراتها بصورة مذهلة الأمر الذي قاد الى زيادة كبيرة في احتياطاتها من العملة الصعبة خلال السنوات الأخيرة .
ولفترة طويلة، مولت البلدان الآسيوية الناشئة، وبلدان الشرق الأوسط، العجوزات في الولايات المتحدة، جاعلة اياها غير مؤلمة . لكن عارض الضعف للدولار والاقتصاد الأمريكي أظهر حدود هذه العلاقة الاقتصادية والمالية .
الثالثة: الزيادة القوية في أسعار المواد الغذائية منذ العام ،1978 حيث أثارت “انتفاضات الجوع” التي حصلت في افريقيا وهاييتي نهاية مارس/آذار وبداية أبريل/نيسان الماضية، صدمة عارمة في أوساط الرأي العام العالمي، ما دفع المسؤولين في المجتمع الدولي لاتخاذ اجراءات عاجلة لانقاذ الشعوب الأكثر تأثراً بذيول هذه الأزمة الغذائية التي يعيشها عالمنا اليوم . ويعاني أكثر من مليار نسمة، في افريقيا وأمريكا اللاتينية وجنوب آسيا، سوء التغذية هذا، وهمّ الناس اليومي في هذه المناطق هذه اعداد وجبة، أو وجبتي طعام توفر مئات قليلة من الوحدات الحرارية .
لاح في الأفق أخيراً بصيص من الأمل في غمرة أزمة الغذاء العالمية . وخففت أوكرانيا القيود على الصادرات توقعا منها وفرة في المحاصيل . فانخفضت أسعار القمح العالمية بنسبة 10 في المائة بين عشية وضحاها . غير أنه في المقابل، حدد المتعاملون في سوق بانكوك سعر الأرز بحوالي . . .1 دولار للطن، والذي كان سعره قبل شهرين لا يتعدى 460 دولارا . ويتوقع أن تزيد الأسعار ارتفاعا . تلك هي حالة الأسواق في الوقت الراهن اذ انها تتسم بالتقلب . ونحن لا ندري الى أي حد قد تصل أسعار الأغذية، والى أي حد يحتمل أن تهبط بعد ذلك . ولكن شيئا واحدا هو في حكم المؤكد، وهو أننا انتقلنا من حقبة اتسمت بالوفرة الى حقبة تتسم بالندرة .
ويتفق الخبراء على أن الزراعات المخصصة للتصدير، مثل الكاكاو والقهوة والقطن والكاوتشوك،أطاحت بالزراعات التقليدية .
ومهد اضمحلال الزراعات التقليدية لوقوع الكارثة .ففي أسواق المواد الأولية، نافست المنتجات الزراعية، الآسيوية والأمريكية والأوروبية، منتجات الدول الفقيرة، ولاسيما القطن والقهوة والرز والذرة .
وفاقم الأزمة الغذائية، تغير عادات دول الجنوب الفقيرة الغذائية . فكميات كبيرة من القمح بيعت الى الدول الافريقية بأسعار بخسة، فاستعاض الأفارقة من أهل المدن بالقمح عن غيره من الحبوب التقليدية مثل الذرة البيضاء والرز ودقيق المنيهوت، وأدخلوا الخبز في نظامهم الغذائي الأساسي .واثر ارتفاع أسعار القمح، لم يعد في متناول الفقراء، وهم زاد عددهم في العقدين الأخيرين، شراء الخبز .
باحث اقتصادي