رأي ودراسات

البحـــث

    
في ذكرى الجمهورية العربية المتحدة آخر تحديث:الجمعة ,19/02/2010

عوني فرسخ

شهدت الاعوام الأخيرة تزايد عدد المؤمنين بالوحدة كخيار استراتيجي في المستقبل العربي . وتظل وحدة مصر وسوريا المصدر الأول للدروس المستفادة من أي عملية وحدة أو اتحاد مستقبلية . ومن هنا تتضح أهمية تناول الوقائع بموضوعية، وإعادة النظر في الأحكام السطحية وغير المدققة التي شاعت عقب الانفصال . ومن بين الادعاءات المطلوب مراجعتها حتى يستقيم تقويم تجربة الوحدة الخمسة التالية .


الأول: القول بالتسرع باقامة الوحدة، وهو قول يتجاهل كون الوحدة إنما جاءت تتويجاً للتفاعلات المتوالية بين مصر وسوريا، منذ التقاء صناع قرارهما على التصدي لحلف بغداد مطلع العام ،1955 بحيث سبق إعلان الوحدة في فبراير/ شباط 1958 عقد جملة اتفاقيات عسكرية واقتصادية وثقافية بين القطرين .


الثاني: القول بأن الوحدة لم تكن مدروسة، ولم يراع فيها تمايز الظروف الموضوعية بين القطرين . واللافت أن كثيرين ممن ادعوا ذلك عقب الانفصال كانوا ممن ساهموا في مباحثات الوحدة، ووقعوا بيان إعلانها، وشاركوا في الحكم . فضلاً عن انه خلال السنوات الثلاث السابقة للوحدة كان اتحاد سوريا ومصر موضوع الجدل الأوسع في المشرق العربي عامة، وسوريا خاصة . ولم يصدر عن المعارضين، وعلى الأخص قادة ومنظري الحزب الشيوعي السوري- اللبناني، أي دراسة للبنى الاقتصادية والاجتماعية السورية أو المصرية، أو أي بحث يستعرض التمايز المدعى به .


الثالث: القول بعدم حاجة سوريا للاصلاح الزراعي، في تجاهل لواقع الملكية الزراعية السورية، حيث كان كبار الملاك، الذين يحوز الواحد منهم أكثر من مائة هكتار، يتصرفون بما يزيد على 49% من الأراضي الصالحة للزراعة، فيما 70% من سكان الريف لا يملكون أرضاً . ولم تكن هناك تشريعات تنظم علاقة مالك الأرض بمزارعها، بل وكان من حق المالك ليس فقط طرد المزارع من الأرض التي يزرعها، وإنما أيضاً من بيت السكن المملوك لصاحب الأرض . ولقد شهد المجلس النيابي السوري سنة 1950 جدلاً صاخباً حول تضمين الدستور نصاً بتحديد الملكية الزراعية . حيث ايد التحديد 43 نائباً مقابل 45 معارضاً . وفي صيف 1951 وقعت عدة انتفاضات فلاحية سقط فيها قتلى وجرحى . وفي 16/9/1951 عقد في حلب مهرجان حضره آلاف الفلاحين نادى بأن تكون الأرض لمن يزرعها . ولوضع حد لاحتمالات الصراع الطبقي في الريف السوري، ولتمكين الفلاحين من ممارسة حقوقهم، صدر في 4/9/1958 “قانون تنظيم علاقات العمل الزراعي” محدداً حقوق والتزامات مالك الأرض والمزارع . وفي 2/9/1958 صدر “قانون الاصلاح الزراعي”، بتحديد الملكية، وتوزيع الأرض الزائدة على الفلاحين من أبناء الإقليم السوري . ولم يطل القانون سوى 3240 مالكاً يحوزون 543،1 مليون هكتار، ما يعادل 4 .65 % من ملكيات كبار الملاك .


الرابع: القول بأن الوحدة أجهضت النظام الديمقراطي في سوريا، وهو قول يتجاهل اسقاط حسنى الزعيم الديمقراطية في ربيع ،1949 وتواصل غيابها حتى سقوط الشيشكلي ربيع ،1954 وطوال سنوات 1954-1958 توفرت في سوريا مؤسسات النظام الليبرالي، إلا أن الديمقراطية لم تكن قائمة . إذ تحكم بصناعة القرارات تحالف اليسار والوسط، مع “المجلس العسكري” . فيما كانت جميع الأحزاب تفتقر للديمقراطية .


الخامس: القول بالتسلط المصري: وهو قول يتناقض مع كون الوحدة قد انهت دستورياً الهوية المصرية والسورية، ثم إنه قول غير تاريخي لأن جميع من تولوا المسؤولية القيادية في الإقليم السوري كانوا من أبنائه، بدءاً من تولي أكرم الحوراني الاشراف على “المجلس التنفيذي” خلال السنة الأولى . وحين تعرض البعثيون للاتهام باستغلال النفوذ جرى إحلال المهندس نور الدين كحالة محله، ثم عبد الحميد السراج . وحتى عندما اسندت لعبدالحكيم عامر شؤون الإقليم كان السراج الحاكم الفعلي الذي نازعه سلطاته . فضلاً عن أن الذين انتدبوا للعمل في الإقليم السوري من الضباط والمدرسين وغيرهم، إنما كان للحاجة إليهم، ولقد غالى كثيرون في الحديث عن تسلطهم، كما استغلت اخطاؤهم . وليس ينكر أن منهم، وبخاصة ضباط مكتب عبدالحكيم عامر، اساءوا لمشاعر زملائهم ومراجعيهم ولم يراعوا حساسية السوريين تجاه ما يرونه ماساً بكرامتهم . إلا أن غالبيتهم كانوا يؤدون مهام مطلوبة، بدليل ان حكومة الانفصال طلبت الابقاء على المدرسين المصريين . كما برهنت واقعة الانفصال على أن جميع قادة القطاعات العسكرية في الجيش الأول “السوري” وغالبية ضباطه وجميع ضباط الصف، أصحاب السلطة الفعلية في الجيش، كانوا من أبناء الإقليم السوري .

طباعــــة

إرســال

أضـف تعليــق

أضــف تعليـــق

عنوان التعليق
الاسم
البريد
تعليق
 

  تعليـــق

  آخر مقالات للكاتب

03/02/2012
فارس عربي ترجل

27/01/2012
التيار القومي العربي، الواقع والتحديات

21/01/2012
رؤية بريجنسكي للمستقبل العربي

13/01/2012
التحدي الأكبر للإسلاميين في الحكم

06/01/2012
عام الإنجازات التاريخية

 
 

  النشرة الدوريــة

   دليــل المدينة

  حالة الطقس

  مؤسسة تريم عمران للأعمال الثقافية والإنسانية

البريد
 

جائزة تريم عمران للصحافة

•مركز تريم عمران للتدريب والتطوير الإعلامي

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر © 2008