قبل ثلاثة أعوام ونيف، تهكم البعض على محاولتنا دخول التجربة الانتخابية في الإمارات، وبدورنا لم ندَّع الكمال آنذاك، ولم ندَّع أننا سنحقق ما نصبو إليه منها، وها نحن اليوم نعترف أن المسيرة طويلة نحو الهدف، وأننا نتراجع عن الركب الخليجي، تراجعاً تدريجياً عن تحقيق هدف المشاركة السياسية المثالية عبر المجلس الوطني الاتحادي أو المجالس الاستشارية الأخرى، وأن عمليتنا الحالية ما هي إلا جس نبض لحراك المجتمع وقدرة القائمين عليه من النخب الاجتماعية والثقافية على خوض التجربة والخروج منها بنتائج تمهد لعملية متكاملة مستقبلاً .
اعترافنا يعني أننا نبدأ من نقطة محددة، لا زيف فيها ولا خداع يزيل عنا حرجاً كبيراً أمام الأجيال القادمة، ولا يحملنا أعباء الفشل إذا ما تعثرت أقدامنا في عوائق تشكلت بفعل أخطائنا المتكررة في الماضي أو الحاضر .
وكالعادة نمتلك الشجاعة لنقد أنفسنا بحرية تامة، وفق تقاليدنا العربية والقبلية المحلية ومعطيات واقعنا الاجتماعي، ونقر أمام الجميع أننا بدأنا خطوة واعترفنا بأخطائنا فيها، وعلى المراقب والباحث العربي أن يتفهم ظروفنا، ويقيم نقده لنا من واقع أمرنا وليس من المثالية التي ينشدها لنا مشكوراً .
صحيح أنه كان الأولى أن نقيم بمنهجية تجربتنا السابقة في المجلس الوطني الاتحادي، وكان علينا ألا نبخس حق الأجيال المتعاقبة على المجلس الوطني الاتحادي، في أن نثمن عملياً سعيهم المخلص لتحقيق ولو شيء من المشاركة السياسية والرقابة على أعمال الإدارة .
وفي هذا الإطار، كان لا بد من احترام منطلقاتنا التاريخية وتراثنا القبلي الذي لم يخل من مشاركة سياسية واسعة عبر الشورى التي أمر بها الإسلام، بل عبر التقاليد القبلية التي أطّرت مهام زعيم القبيلة من خلال التشاور مع النخبة في قبيلته، تلك التقاليد التي يستمد منها الحاكم شرعيته ويشعر من خلالها المحكوم أنه جزء من القبيلة يشارك في اتخاذ القرار فيها ويتحمل المسؤولية وأثرها فيه وفي المجتمع .
وفي فترة متأخرة تحولت القبائل والعشائر إلى تجمعات سكنية؛ وقامت المجالس القبلية التي كانت بمثابة برلمانات صغيرة يتشكل منها رأي المجتمع في صورة رأي عام يجسد الفضيلة ويحافظ على القيم المجتمعية، وفيها يبلور مجلس شيخ القبيلة أو المشيخة والذي تشاركه فيه النخبة السياسية في المجتمع بإصدار رأي نهائي أو قرار سياسي، تلك النخب التي ينتقل ممثلوها تقليدياً إلى مجلس الحاكم، وفي نهاية الأمر يتحمل الجميع مسؤولياتهم الاجتماعية والمالية والسياسية وأحيانا العسكرية عبر القرار الأخير الذي يتخذه الحاكم باسم الجميع .
لا يمكن تجاهل هذا التراث القيم من المشاركة السياسية، وفي الوقت نفسه، لا يمكن الوقوف عنده وعدم تجاوزه، والحل هو إيجاد المزاوجة والملائمة والتجانس بين إرث المجتمع القبلي وتراثه والنظرية الإسلامية في ما يتعلق بالشورى، وبين تجربة المجلس الوطني الاتحادي في 38 عاماً المنصرمة، وفي نفس الوقت تعميق النظر في التجربة الإنسانية واستلهام التجربة الغربية التي لا نشك أنها غنية بالفضائل التي لا تتعارض مع ثوابتنا الاجتماعية والدينية .
ومن هذا المنطلق، نعتقد جازمين أن القائمين على الشأن في ما يختص بتطوير مساهمة المجلس الوطني الاتحادي والمشاركة السياسية قد اجتهدوا، وأفرز جهدهم هذه التجربة التي عرفت بالمزاوجة بين تعيين الأعضاء وانتخابهم من بين عدد محدود من المترشحين أو المرشحين .
ولأننا على أبواب عملية أخرى؛ كان لا بد من تقييم هذه المرحلة وفتح أبواب النقد على مصراعيه، قبل وقت كاف، والكف عن تجربة المجرب لأن المثل الإماراتي يقول “من جرب المجرب حلت به الندامة”، ولأن المجتمع لا يجوز أن يكون عينة للتجارب، فإن المرحلة القادمة يجب أن تحمل الجديد، أو لنقل يجب أن تحمل بشارة يستحقها أهل الإمارات الطيبون .
فنحن نتوقع تعديلاً دستورياً يمنح المجلس الوطني الاتحادي سلطة أكبر في مراقبة أعمال الإدارة، ونتوقع أن يكون المجلس الوطني القادم شريكاً حقيقياً في التشريع، ونتوقع أن يتشارك المجلس الوطني الاتحادي مع المجلس الأعلى للاتحاد، لنقل الكيان الاتحادي من كينونة الاتحاد الكونفدرالي إلى الوحدة الكاملة التي أرادها زايد رحمه الله وإخوانه المخلصون، نريد ونطمح إلى أن يتمكن المجلس من مشاركة السلطات الاتحادية والمحلية لتمكين أنموذج الدولة والحكومة الراشدة، الحريصة على الصالح العام، بدلاً من أنموذج الشركة الساعية إلى تحقيق الربح الخاص .
تحت إشراف المجلس الأعلى للاتحاد؛ نتمنى أن يُمنح المجلس الوطني الاتحادي سلطات تمكنه من السؤال والاستجواب والتحقيق وسحب الثقة من الوزارة، أو من بعض أعضائها إذا ما تجرأوا على ارتكاب مخالفة إدارية جسيمة أو مساس بالدستور والثوابت الاتحادية .