لم يكن أحد في الوطن العربي والعالم الإسلامي ينتظر من خطاب الرئيس الأمريكي باراك أوباما في جامعة القاهرة أن يشكل انتقالاً بأمريكا من ضفة إلى ضفة، ضفة الانحياز التام للكيان الصهيوني واحتلاله وإرهابه، إلى ضفة القضايا العربية العادلة، وأولاها قضية الشعب العربي الفلسطيني المطرود من وطنه والمشرد أو الأسير داخله.
لكن الخطاب الذي أراده أوباما كما قال “بداية جديدة” مع العالم الإسلامي، كان منتظراً أن يكون أكثر اقتراباً من التوازن، ولو في الحد الأدنى، إذا كانت الإدارة الأمريكية الجديدة تريد حقاً فتح صفحة جديدة، تطوي كل ذلك السوء الذي خلّفه جورج بوش الابن والمحافظون الجدد في ولايتيه الآفلتين.
جميل كلام أوباما عن الإسلام وهذا الذكاء المفرط في اللجوء إلى استثارة العواطف وأكف التصفيق، واستخدام عدد من الآيات القرآنية، وكذلك في الاستفاضة في الحديث عن التاريخ وعن الحضارة، وهو يخدم فعلاً ما يريده الرئيس الأمريكي الجديد من حملة العلاقات العامة التي يقودها لتبييض صفحة أمريكا في العالم الإسلامي عموماً، وعند العرب خصوصاً، بعد لغة الحروب والغزوات التي سادت في عهد بوش.
وجميل أن يتحدث أوباما عن وقف الاستيطان الصهيوني، وعن حل الدولتين في الشأن الفلسطيني، وعن التزامه قرار الخروج من العراق نهاية العام ،2011 وعن رد العراق للعراقيين وعدم إقامة أية قواعد عسكرية، وكذلك حديثه عن أفغانستان، وعن الحجاب وحقوق المرأة والديمقراطية.
في موازاة ذلك، وفي انتظار الأفعال، ماذا يريد أوباما؟
يريد وقف المقاومة ضد “إسرائيل”، ويريد ما هو أكثر من “المبادرة العربية”، ويريد اعترافاً من الدول العربية ب”إسرائيل”، ما يعني استدراج مزيد من التنازلات من العرب عموماً ومن الفلسطينيين خصوصاً، لقاء كلام على وقف الاستيطان لن يوقفه، و”وعد” بالعمل لحل الدولتين، قد لا يتحقق في عمر ولايته.
أوباما الذي لم يسمع بالمحرقة الصهيونية في غزة أوائل هذا العام، وبملايين المشردين الفلسطينيين خارج وطنهم فلسطين، وبآلاف الأسرى الفلسطينيين في معتقلات النازية الصهيونية، تذكر فقط محرقة اليهود. وهو إذ تجاهل النووي “الإسرائيلي” وأسلحة الدمار الشامل “الإسرائيليين” لم تستوقفه سوى الصواريخ (البدائية) الفلسطينية التي تطلق من غزة.
يخشى أن تكون اليد الممدودة من أوباما تستهدف أخذ المزيد من التنازلات العربية بهذه اليد، ليعطيها باليد الأخرى إلى “إسرائيل”، مقابل وعود تلّقى العرب الكثير منها، وبقيت كلاماً في الهواء أو حبراً على ورق.