الأسبوع السياسي
خريف الغضب الفرنسي آخر تحديث:الخميس ,02/09/2010
باريس - بشير البكر:

1/1


هل نقول إن الرئيس نيكولا ساركوزي لم يكن محظوظا منذ توليه الرئاسة في فرنسا، فقد جاءت الأزمة المالية والاقتصادية العالمية، من حيث لا يحتسب، وقصمت ظهره، وأصبحت كل الوعود الانتخابية مستحيلة التنفيذ بسبب فراغ الخزينة . وأصبح تحالفه المعلن، والمعروف، مع أصحاب المال والمصارف عير مسموح به، على الأقل، ظاهرياً، وسط إفلاس الشركات وازدياد العاطلين من العمل .


لن تكون هذه السنة، وهذا الدخول الجديد الذي يصادف نهاية العطلة الصيفية، مختلفا عن سابقيه، بل إنه يشي بما هو أعظم . فهو دخول صعب لأن الانتخابات الرئاسية تقترب . ونيكولا ساركوزي يعرف أن الانتخابات بجب الاستعداد لها بقوة من قبل . ولكن كيف يمكن أن يكون الاستعداد للانتخابات سهلا إذا كانت الحصيلة الرئاسية الأولى غير مُرْضية، بل وأغلبية الفرنسيين غير راضين عنها . لقد استطاع ساركوزي أن ينتصر في الانتخابات السابقة لأنه أراد أن يسبغ نوعا من العذرية على السياسة وأطلق شعارات براقة من أنواع “القطيعة”، ثبت أنها لم تقطع مع أي شيء . فلا الديمقراطية وحقوق الإنسان كانت أساسا للعلاقات الدولية، كما وعد، ولا حصل تغيير في سياسة فرنسا الإفريقية . والوزير الذي تجرأ على الخوض في الأمر تم إجباره على تغيير الوزارة بأمر من رئيس الغابون الراحل عمر بانغو، كما أن سفير فرنسا والأديب والحاصل على جائزة الغونكور تم نقله من السنغال بسبب انتقاداته لأن الرئيس السنغالي عبد الله واد أراد ذلك .


الحرائق كثيرة، أمام الإطفائي ساركوزي، وتوجد في كل مكان في فرنسا . ولن يقوى أي رئيس مهما كانت حنكته، في ظروف أزمة اقتصادية، أن يتصدى لها جميعا بشجاعة وإصرار .


كان مقررا، وبناء على توصية من الوزير فرانسوا باروان،  الانتقاص من الامتيازات التي يحصل عليها الطلبة، وذلك لتوفير السيولة في الخزينة، وهو ما يُعمَل به في كل الوزارات بما فيها وزارة الدفاع . ولكن نيكولا ساركوزي، قرر ألا يتعرض لجيوب الطلبة، هذه المرة، لأن انضمام الطلبة إلى جموع العمال الذين سيتظاهرون دفاعا عن تقاعدهم المهدد، سيتسبب في مشكلات قد لا تحمد عقباها . وهو ما اعتبره الاتحاد الطلابي المقرب من اليسار انتصارا على الحكومة اليمينية .


وابتداءً من الخميس  في التاسع من سبتمبر/أيلول ستدشن الطبقة العمالية الفرنسية إضرابا عامّا، وهو إضراب إنذاري قد تعقبه إضرابات وأشكال أخرى من الاحتجاج والرفض، لإصلاح التقاعد، الذي يرى فيه العمال استهانة بكل التضحيات التي قدّموها . وتضغط النقابات من أجل قبول الرئيس ساركوزي إجراء مفاوضات حقيقية معها، وليس الاكتفاء بالاستماع إلى ملاحظاتها . وينص الإصلاح على تمديد سنة التقاعد إلى سن الثاني والستين، بعد أن كانت في سن الستين . والطريف أن الوزير المكلف بإنجاز هذا الإصلاح القاسي والمثير للجدل اريك وورث لم يَنْجُ بعد من متاعب مع القضاء الفرنسي بسبب علاقاته مع الثرية الفرنسية بوتنكور . وليس غريبا أن يشير النقابي برنار تيبو رئيس إحدى أهم النقابات العمالية في فرنسا (سي .جي .تي) إلى أن أي إصلاح سيكون مُلطخا لأن الوزير المسؤول عن تنفيذه له مشكلات مع القضاء الفرنسي . ويبدو أن الرئيس ساركوزي، الذي يصر على تنفيذ هذا الإصلاح، اشتمّ من تصريح الزعيم النقابي رائحة من يرى أن “كل الضربات مسموحٌ بها” في الحرب . وهو ما جعل أحد المسؤولين الحكوميين يقول إنه مهما كان حجم المظاهرات فإن الدولة ليس في واردها التراجع عن فرض الإصلاح، باعتباره ضرورة لا غنى عنها .   


تبحث الحكومة، والرئيس من ورائها، عن نجاح واحد حققته في ولايتها ولا تجده . وإذا كان الرئيس يشتغل شخصياً، منذ سنوات عديدة على الملف الأمني، أي منذ كان وزيرا للداخلية حتى الآن، فلا شيء يدل على أن الأمن يسود في المدن والأحياء الفرنسية . وينطبق الأمر على المدن التي يديرها اليسار أو التي يديرها اليمين، ومن هنا فإن اقتراح وزير في حكومة ساركوزي معاقبة العمداء ورؤساء البلديات الاشتراكيين بسبب التقصير الأمني، أصبح أضحوكة، ليس فقط لأن الملف الأمني من مسؤولية الدولة وليس البلديات، بل لأن الهمّ الأمني يشترك فيه اليسار واليمين على حد سواء، كما أن الفلتان الأمني وانتشار الجريمة تعرفه المدن اليسارية أو تلك التي يسيرها يمينيون .    


وجاء مشكل تهجير الغجر وطردهم إلى رومانيا وبلغاريا، حيث يتعرضون هناك لعنصرية لا مثيل لها، ليعرّي بالفعل الموقف الفرنسي، ويلطخ صورة فرنسا في العالم، فهل يُعقل أن فرنسا، بلد حقوق الإنسان، تجرؤ على شن الحرب على أقلية عزلاء . ولم تنفع كل الانتقادات من المجتمع المدني ومن المنظمات الإنسانية، ومن المجلس الأوروبي ومن الأمم المتحدة ومن قبل رجال الدين المسيحيين ومن قداسة البابا، في تغيير الموقف الرسمي، الذي يواصل عناده ويدافع عن مفهومه للسيادة و”لاحترام القوانين” . وكم كان مضحكا قيام وزير الخارجية الفرنسي بيرنار كوشنير، الطبيب السابق ورئيس منظمة “أطباء بلا حدود” والمنادي بالحق في “التدخل الإنساني” بانتقاد موقف الأمم المتحدة من سوء معاملة الغجر، وتبرير الموقف الفرنسي الذي انتقده رؤساء وزراء يمينيون سابقون من بينهم رافاران وألان جوبي ودوفيلبان .                


ولأن المصائب لا تأتي فرادى، فقد كان قرار رئيس الروسي بوتين إجراء مناقصة لشراء سفن حربية، إهانة كبيرة لفرنسا، بعد أن كان ساركوزي تصور أن الصفقة في الجيب . وهو ما اعتبر خسارة مالية كبيرة، يمكن لإسبانيا أن تستفيد منها .


ما الذي يمكن أن يفعله الرئيس لتدارك ما يمكن تداركه؟ يمكن للتغيير الحكومي أن يضخ دماء جديدة في حكومته، ولكنه يمكن أن يعتبر إخفاقاً في الوقت نفسه . ثم هل يمكن التضحية برئيس الوزراء فرانسوا فيون؟ المسألة ليست بسيطة على الإطلاق . فساركوزي قد يضطر للطلاق مع فيون، على الرغم من شعبيته . إذ يعتبر فيون الشخصية اليمينية الأكثر شعبية في فرنسا والقادر على مبارزة اليسار في الانتخابات الرئاسية . صحيح أن فرانسوا فيون ليس مرشحا . في الوقت الراهن على الأقل . ولكن هذه الشعبية تغيظ الرئيس ساركوزي وتغطي عليه، وإن كانت في جزء منها بفضله . إذ إن الرئيس يتدخل في كل واردة وشاردة، وبالتالي فهو الذي يتحمل كل التبعات .


لكن من سيأخذ مكان فيون، إذا تم استبداله؟ الشخصيات اليمينية الطموحة كثيرة، من بينهم بورلو، كوبي، باروا، أليو ماري وآخرون . ثم من يضمن ألا ينتقم فرانسوا فيون من كل الإهانات التي تلقاها من ساركوزي ومن مستشاريه؟


على كل، لا يعرف أحدٌ كيف سينتهي “إصلاح التقاعد”، الذي بدأ رفضه يحقق شبه إجماع في فرنسا، وهو بالفعل كعب أخيل لساركوزي بعد أن كان عامل قوة . لكن الأزمة المالية بالفعل لم تترك له خيارا، فالصناديق فارغة، وابتزازات المزارعين والصيادين لن تتوقف .


سنة 2012 تتراقص أمام عينيه وتعميه، من الآن، وهو يرى الحزب الاشتراكي يلملم أطيافه، ويوحد قواه، ويبحث عن تحالف مع جماعات اليسار الأخرى والخضر . كما أن شتراوس كاهن، الزعيم الاشتراكي، الذي تصور أنه تخلص منه حين فرضه رئيسا لصندوق النقد الدولي، وبراتب مالي خيالي، لا ينتظر سوى العودة وقيادة الاشتراكيين إلى الانتخابات الرئاسية، خصوصا أن استطلاعات الرأي تمنحه فوزاً تاريخياً على نيكولا ساركوزي في الدورة الثانية بنسبة 59 في المئة .


لابد أن ساركوزي، وهو السياسي العنيد، برأي أصدقائه وخصومه، يتساءل عن قاعدته الانتخابية التي بدأت تتآكل . ماذا عن المتدينين الكاثوليكيين الذين تُذوّبهم نداءات قداسة البابا ورجال الدين لنصرة الغريب حين يتعرض للاضطهاد . وماذا عن اليمين المتطرف الذي لا يثق سباركوزي بعد أن خذله بسياسة الانفتاح على المجتمع المدني . ماذا عن المسلمين، الذين كانوا مدينين له بفرض تمثيلية الإسلام على مائدة الجمهورية، والذين تعبوا من تهجمه على رموزهم الثقافية من نقاب وختان وتعدد الزيجات وغيرها . وماذا عن اليمين المعتدل الذي لم يَعُد راضياً كما أشار إلى ذلك رئيس الوزراء  اليميني السابق رافاران على توجهات الحكومة إلى أقصى اليمين .


ما الذي تبقى له؟


ربما الجالية اليهودية في أغلبيتها هي التي لا تزال تعتبره أكثر رؤساء فرنسا صداقة ووفاء ل “إسرائيل” . وربما من هنا يمكن فهم الرسالة التي بعث بها ساركوزي إلى والدي الجندي “الإسرائيلي” الأسير لدى فصائل المقاومة الفلسطينية جلعاد شاليت، بمناسبة عيد ميلاده .


لكن هل سيكون الحرص على تحرير الجندي شاليت كافياً لعودة الرئيس ساركوزي إلى السلطة مرة ثانية؟

طباعــــة

إرســال

أضـف تعليــق

أخبار متعلقـــة

  
 

أضــف تعليـــق

عنوان التعليق
الاسم
البريد
تعليق
 

  تعليـــق

 بقية المواضيع

 
 

  النشرة الدوريــة

   دليــل المدينة

  حالة الطقس

  مؤسسة تريم عمران للأعمال الثقافية والإنسانية

البريد
 

جائزة تريم عمران للصحافة

•مركز تريم عمران للتدريب والتطوير الإعلامي

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر © 2008